مبدأ قانوني: اعطاء المال على سبيل الاستهلاك لا يعني وجود علاقة مستأمن وأمين

توصلت محكمة التمييز بدبي في الطعن رقم 38/1996 جزاء المقدم من النيابة العامة بتاريخ 13/4/1997 الى المبدأ القانوني مؤداه انه اذا كان المال قد اعطى على سبيل استهلاكه فانه لا يكون قد وضع تحت يده على سبيل الامانة ولا تكون العلاقة في هذه الحالة علاقة مستأمن وأمين, وصدر الحكم في الجلسة برئاسة الدكتور مصطفى كيره رئيس المحكمة . وبعد الاطلاع على الاوراق وتلاوة التقرير الذي اعده القاضي المقرر وبعد سماع المرافعة والمداولة, وحيث ان الطعن بالتمييز قدم خلال المدة القانونية مستوفيا لكل موجباته الشكلية فهو مقبول من ناحية الشكل. تتحصل الوقائع في ان النيابة العامة قدمت المتهم المطعون ضده للمحاكمة امام محكمة الجنح في قضية الجنحة رقم 4858/95 واتهمته بأنه بتاريخ سابق على 8/7/1995 بدائرة اختصاص مركز شرطة الرفاعة استولى على المبلغ المبين وصفا وقيمة بالاوراق والمملوك لشركة بين للاتصالات وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية كان من شأنها خداع المجني عليه وحمله على التسليم وبالنحو المبين بالتحقيقات, وطلبت معاقبته بمقتضى المادتين 121 (1) و339 (1) من قانون العقوبات. بتاريخ 17/1/1996 حكمت المحكمة حضوريا ببراءة المطعون ضده عما نسب اليه. فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم بالاستئناف رقم 321/96 جزاء وطلبت الحكم بالغاء الحكم المستأنف والقضاء بعدم اختصاص محكمة الجنح بالفصل في الدعوى وباحالتها للنيابة العامة لاجراء شؤونها فيها لان الواقعة ــ حسب تكييفها الصحيح تشكل جريمة سرقة تحت طائلة المادة 388 (3) من قانون العقوبات, مما يجعل حكمها مشوبا بالبطلان اذ كان يتعين عليها ان تمسك عن الفصل فيها وتحيلها للنيابة لاجراء شؤونها فيها. وبتاريخ 13/4/1996 حكمت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفض الدفع بعدم اختصاص محكمة الجنح بنظر الدعوى الجنائية وباختصاصها, وباجماع الآراء بالغاء الحكم المستأنف وبتغريم المطعون ضده خمسة آلاف درهم عما هو منسوب اليه استنادا الى ان الواقعة المسندة اليه تشكل جنحة التبديد المنصوص عليها في المادة 404 من قانون العقوبات. طعن المطعون ضده في هذا الحكم بالطعن بالتمييز رقم 36/96 جزاء, وبتاريخ 13/10/1996 حكمت محكمة التمييز بنقض الحكم المطعون فيه وباحالة الى محكمة الاستئناف لتقضي فيها من جديد وذلك لعدم تنبيه المحكمة المتهم الى تغيير وصف التهمة الى تهمة خيانة الامانة التي ادانته عنها كي يتهيأ لاعداد دفاعه عنها. وبتاريخ 27/11/1996 حكمت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف. فساد في الاستدلال طعنت النيابة العامة في هذا الحكم بتقرير اودعته بقلم كتاب هذه المحكمة في 28/12/1996 (اذ صادف يوم 27/12/1996 آخر ميعاد للطعن يوم جمعة) وطلبت فيه نقض الحكم المطعون فيه مع الاحالة. واودع محامي المطعون ضده ــ في الميعاد ــ مذكرة بدفاعه طلب فيها رفض الطعن. تنعي النيابة العامة على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسيب ومخالفة الثابت في الاوراق اذ لم يمحص الدعوى وايد الحكم المستأنف مسايرا الوصف الذي احالت به المطعون ضده الى محكمة اول درجة وانتهى الى خلو الاوراق من اي دليل على تسليم المطعون ضده مبالغ من الشركة بموجب عقد من عقود الامانة رغم ثبوت عقد الوكالة باعتباره مديرا للشركة واقراره بحصوله على اموال بحكم منصبه, وان الاموال التي حصل عليها لنفسه اضرارا بالشركة عبارة عن فاتورة بمبلغ 1209 جنيهات استرلينية قيمة تذكرة طيران تبين ان قيمتها الحقيقية هي مبلغ 549 جنيها استرلينيا ومبلغ 2336 جنيها استرلينيا لتذكرتي طيران له ولخطيبته وتبين ان القيمة الحقيقية لها مبلغ 1100 جنيه استرليني ومبلغ 542 درهما و230 درهما قيمة فاتورتين استضافة لبعض زوار الشركة التي يعمل بها على وجبة غذاء وتبين عدم صحة هذه الواقعة, ومبلغ ثمانين درهما على انه مقابل وضعه لسيارة الشركة التي يستغلها في الاماكن المخصصة للانتظار بأجر. وتبين ان هذا المبلغ قيمة مخالفات مرورية ارتكبها وهو المسؤول عن سداد قيمتها وليست الشركة. وحيث ان هذه الوقائع تشكل جريمة خيانة الامانة فان الحكم المطعون فيه يكون قد اخطأ اذ قضى ببراءة المطعون ضده بمقولة ان ما نسب اليه لا يعدو ان يكون مخالفات ادارية للوائح الشركة وان الشاكي كان مدفوعا في شكواه ضده لغرض في نفسه بعد ان قدم المطعون ضده شكوى ضد الشركة لدائرة العمل, خاصة وان الباعث على شكوى الشاكي لا ينفي بمجرده توافر القصد الجنائي لدى المتهم, كما ان الثابت بالاوراق انه قد فصل من العمل لسوء سلوكه وادارته للشركة وحصوله على تلك الاموال بغير وجه حق, وليس ثمة ما يمنع الشركة المجني عليها من تقديم شكواها ضده الى النيابة العامة. هذا النعي غير سديد اذ يشترط لقيام جريمة خيانة الأمانة وما يتصل بها ــ المنصوص عليها في المادة 404 من قانون العقوبات ـ ان تكون المبالغ او السندات او المال المنقول المختلس او المستعمل او المبدد قد سلم الى المتهم على وجه الوديعة او الاجارة او الرهن او عارية الاستعمال او الوكالة, بما مؤداه اذا كان المال قد اعطي له على سبيل استهلاكه فانه لا يكون وضع تحت يده على سبيل الامانة ولا تكون العلاقة في هذه الحالة علاقة مستأمن وأمين. واستخلاص واقعة تسليم المال المنقول للمتهم على سبيل الأمانة او اعطائه له لاستهلاكه من المسائل الموضوعية التي تخضع لتقدير محكمة الموضوع ولا تتدخل بشأنها محكمة التمييز متى كان تقديرها سائغاً. ومن المقرر في قضاء هذه المحكمة ان لمحكمة الموضوع السلطة في استخلاص واقعة الدعوى واركان الجريمة المسندة الى المتهم مما هو مقدم فيها من ادلة وبينات, وان العبرة فيما تقضى به من ادانة المتهم او براءته هو باقتناعها بناء على ما هو مطروح عليها وحسبها ان تقيم قضاءها على أسباب سائغة تكفي لحمله. لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد قضى ببراءة المتهم مما اسند اليه تأسيساً على أن (الاتهام الذي اسندته النيابة العامة للمتهم بوصف استيلائه على اموال مملوكة للشركة بالاستعانة بطرق احتيالية هو اتهام على غير أساس من الواقع والقانون ذلك ان الشاكي نفسه وفي تحقيقات النيابة قد عدل عما اورده بالشكوى مقرراً بأن للمتهم تذكرة سفر في حدود 1200 ـ 1300 جنيه استرليني وبأنه قد سمح له باستخدام تذكرة سياحية وبأن هناك اتفاقاً بينهما على ان يكون لخطيبة المتهم تذكرة سفر على درجة رجال الاعمال وبأن من حق المتهم استضافة عملاء وبأنه اتضح له بان المتهم استضاف المدعوة جيني والمدعو مايك ولكن بأماكن اخرى, وبأن المتهم لم يخبر الشركة بأن مبلغ الثمانين درهماً كان مقابل السماح له بالوقوف بالسيارة بموقف السيارات القريبة من الشركة ولكنه اخبرها بأنه عن مخالفات مرورية.. ومن ثم يبين من ذلك ان ما نسب الى المتهم لا يعدو ان يكون مخالفات ادارية للوائح الشركة وانه لا توجد ثمة جريمة جنائية يمكن نسبتها اليه وان الشاكي كان مدفوعاً في شكواه ضد المتهم لغرض في نفسه بعد ان اقدم الاخير على تقديم شكوى ضد الشراكة لدائرة العمل المختصة مما يجعل اقواله لا يمكن الاطمئنان اليها في مجال الاتهام الجنائي. ولما كانت هذه الاسباب سائغة وكافية لحمل قضاء المطعون فيه ببراءة المتهم ويبين منها ان ما تطرق اليه من تقديم شكوى ضد الشركة لدائرة العمل لم يكن الا لمجرد بيان عدم اطمئنانه لاقوال الشاكي ولا شأن لذلك بأثر باعثه في تقديم شكواه لتوافر اركان التهمة الموجهة للمتهم من عدمه فإنه يتعين رفض الطعن. لهذا حكمت المحكمة برفض الطعن.

تعليقات

تعليقات