أمين عام هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية:الامارات حققت نجاحا ملحوظا في التصدي لمشكلة التلوث البيئي

تولي دولة الامارات العربية المتحدة عناية خاصة بالبيئة البحرية وبحماية مواردها المتجددة وتنمية الانظمة البيئية السائدة بها مثل انظمة اشجار القرم والشعاب المرجانية ونظرا لطول سواحل الدولة التي تغطي نحو 1448 كيلومترا على الخليج العربي وبحر العرب شاملة سواحل الجزر , ومع التقدم الحضاري العالمي والتطور الذي تشهده المرافق الاقتصادية المختلفة, فان الهم الاكبر للعلماء والباحثين والمسؤولين في مختلف انحاء العالم, سيظل هو كيفية الحد من الآثار السلبية لهذا التقدم على البيئة وعناصرها الحيوية وبالتالي فهم يسعون بخطوات واثقة ومتسارعة الى اللحاق بركب الدول المتقدمة, ولكن دون التضحية بنظافة البيئة وسلامتها لحياتنا وحياة الاجيال التي ستأتي من بعدنا, ولذلك فعالميا ولا سيما في دولة الامارات العربية المتحدة تركز الاهتمام على مواجهة التحدي المتمثل في مشكلة التلوث البيئي وكيفية رصده ومكافحته والسيطرة على آثاره المدمرة على البيئة البحرية على وجه الخصوص. ويوضح الدكتور سيف محمد الغيص الامين العام لهيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها ان هناك نوعين من الملوثات, الاول بالغ الخطورة لانه يبقى في البيئة الى سنوات عدة دون ان يطرأ عليه اي تغيير يذكر, اما النوع الثاني فهو اقل خطورة اذ انه يمكن ان يتحلل خلال فترة وجيزة, وهذه الملوثات غالبا ما تكون من نتاج نشاطات الانسان فهي من المواد المصنعة التي نستخدمها في الحياة اليومية والتي تدخل في طعامنا وملابسنا ومعدات التنقل والمباني وحتى الادوية. وعن اضرار ومصادر الملوثات غير القابلة للتحلل, قال الدكتور سيف محمد الغيص ان من اوضح الامثلة للملوثات غير القابلة للتحلل مبيد الآفات الذي يعرف (دي دي تي) والذي تم حظر استخدامه في كثير من دول العالم المتقدم ولكن ما زال يستخدم في بعض الدول لرخص ثمنه, وفي حالة وجود هذا المبيد في البيئة البحرية فانه يمكن ان يتركز في لحوم الاسماك عن طريق السلسلة الغذائية, ومن الامثلة الاخرى مركبات (PCB) التي تدخل في تركيب الاصباغ والبلاستيك والمواد اللاصقة ومواد التلميع والتي لا يمكن التخلص منها بواسطة الحرارة او الاكسدة فتبقى في البيئة البحرية (ان تسربت اليها) لانها تمتاز بصفة الثبوتية في البيئة ولها آثار سلبية على الاحياء البحرية حيث انها تغير دورة التكاثر في هذه الاحياء, وبالاضافة الى المواد المركبة هنالك المعادن الثقيلة مثل الزئبق والرصاص والنحاس وغيرها فبوجود هذه المعادن في البيئة البحرية تدخل سلسلة الغذاء وتتركز بكميات عالية في الاسماك أو الاحياء البحرية التي تكون في قمة سلسلة الغذاء واذا ما وصلت الى الانسان فينتج عنها مضاعفات في الكبد والكلى والجهاز العصبي, وقد تضعف العظم وتسبب العمى وقد تؤدي الى الموت, وبالرغم من وجود بعض هذه المعادن في الطبيعة الا ان تصريفها في البيئة البحرية من المصانع والمؤسسات ولو بكميات قليلة جدا ينتج عنه تركيزها في حلقات الغذاء وتصبح سامة للمستهلك. اما النوع الآخر من الملوثات فهي التي لا تتركز في البيئة البحرية ولا يستمر وجودها وذلك بسبب تحللها بواسطة الاحياء الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات او انها تتفكك بواسطة اشعة الشمس او عن طريق تفاعلها مع الاوكسجين الذائب في الماء, ولكن وجودها بكميات عالية قد يؤدي الى حدوث ما يعرف بالمد الاحمر والمعروف محليا بحيض البحر, وهو عبارة عن ظاهرة طبيعية يزداد فيها تكاثر الهوائم النباتية بغير المعتاد, وتصبح كثافتها عالية في الماء, ويرجع السبب في ذلك الى وجود مثل هذه الملوثات التي تعتبر غذاء رئيسيا لهذه الهوائم. وعندما تزداد كثافة الهوائم النباتية ينعدم ضوء الشمس عن الانواع التي تقع في اسفل العمود المائي وعليه تتوقف عملية الغذاء الضوئي لها وتموت, كما ان قيام البكتيريا الهوائية بتحليل هذه الملوثات يؤدي الى استخلاص الاوكسجين الذائب في الماء مما يؤدي بالتالي الى موت الاسماك والاحياء البحرية الاخرى حتى ولو لم تكن هذه الهوائم من الانواع السامة. وتطرق الدكتور سيف محمد الغيص الى التلوث النفطي حيث قال ان ملوثات البيئة البحرية تجد اهتماما اكبر اذا كانت ناتجة عن الملوثات النفطية, ولعل هذا اول ما يتبادر الى الذهن عند الحديث عن البيئة البحرية, وبالرغم من ان اهم مصدر للملوثات النفطية ناتج عن حوادث التنقيب وتصادم ناقلات النفط الا ان هناك بعض المصادر الرئيسية الاخرى مثل مخلفات الصرف الصحي من شوارع المدينة وكذلك بقايا الزيوت وتشحيم قوارب الصيد والنزهة في المياه البحرية بالاضافة الى عمليات الشحن والتفريغ لناقلات النفط, حيث تدخل ناقلات النفط الى مياه الخليج محملة بمياه البحر لحفظ توازنها وهي تمخر مياه المحيطات وعند وصولها تقوم بتفريغ مياه الموازنة واستبدالها بالنفط لتتجه إلى الموانىء المستوردة, فالمياه التي يتم تفريغها غالبا ما تحتوي على نسبة من النفط العالق في حاويات الناقلة ويتم تفريغه في البيئة البحرية مما ينتج عنه بعض البقع الزيتية التي يتحول بعضها إلى كرات القار التي نراها على السواحل الرملية النظيفة لخليجنا العربي, بالاضافة إلى ذلك هناك ما يعرف بالتلوث البيولوجي الذي قد تسببه مياه الموازنة حيث ان المياه البحرية التي في تجويف هذه الناقلات قد تم احضارها من بحار ذات بيئة مختلفة عن بيئة الخليج العربي ولها خصائص وكائنات بحرية قد لا توجد في مياه الخليج, لذا, قد تنتقل عن طريق هذه المياه بعض يرقات الاحياء البحرية الدخيلة على بيئتنا, والتي يمكن ان تحدث ضررا بالغا بالتركيبة الطبيعية لبيئتنا المحلية, وبالاخص في الآونة الاخيرة حيث ازداد عدد ناقلات النفط وكبر حجمها ومن ثم اصبحت الاحتمالات بالتلوث بالمنتوجات النفطية عالية جدا. وتتباين كمية التلوث بالنفط حسب نوعيته, فالنفط الثقيل اقل اثرا من النفط المكرر, اذ يحتوي النفط المكرر على نسبة عالية من المواد السامة المتطايرة, قد تصل إلى 40 ــ 50% مقارنة بالنفط الثقيل الذي لا تتعدى نسبة تركيز هذه المواد فيه 5%, وتحدث المركبات السامة المتطايرة اثرا واضحا في الاحياء البحرية وخاصة فيما يتعلق بأنماط سلوكها وتكاثرها, وقد يكون الاثر مباشرا على نمو الاجنة وتطور بيض الاسماك واللافقاريات الاخرى, وبالاضافة إلى ذلك, فهناك اثر سلبي على انتاجية الهوائم البحرية وهي اساس سلسلة الغذاء للاحياء البحرية, وهناك اثار سلبية على الطيور البحرية التي تتم اعاقة حركتها بسبب الزيت, كما ان بعضها قد تتغذى على احياء بحرية ملوثة بالنفط. وعن التلوث الحراري, قال الدكتور سيف محمد الغيص ان مياه البحر تستخدم للتبريد في محطات الطاقة ومحطات التحلية, حيث تسحب المياه الباردة من البحر وتمرر على الاجهزة ثم تعاد مرة اخرى إلى البحر, وغالبا ما تكون درجة حرارة المياه قد ارتفعت بنحو 10 ــ 15 درجة مئوية عما كانت عليه في البداية, فالمياه المسحوبة قد تحتوي على بيوض ويرقات الاسماك والاحياء البحرية الاخرى التي تتعرض لدرجات حرارة عالية ومفاجئة مما يؤدي إلى نفوقها, واذا كانت الاسماك كبيرة الحجم فانها لا تتحمل التغير المفاجىء في درجة الحرارة, لان الاسماك من الاحياء التي تتأقلم حرارة جسمها مع المحيط الذي توجد به, كما ان التلوث الحراري قد يؤثر على انتاجية النباتات البحرية ويقلل من انتاجية الهوائم الحيوانية والتي يعتمد عليها المخزون السميك واخيرا الانسان, كما ان الاثار السلبية للملوثات الحرارية تكون بالغة الخطورة اذا استخدمت المياه للتبريد من الاخوار ومناطق حضانة الاسماك. وحول سبل مكافحة التلوث البحري, قال الدكتور الغيص ان مكافحة التلوث البحري تبدأ بتجفيف منابع الملوثات وذلك باعادة التصنيع ووضع القوانين الصارمة التي تحمي البيئة البحرية وما بها من مخزون متجدد للاجيال المقبلة, وهناك خطط المعالجات الطارئة التي تقوم على نظام فاعل يتولى رصد الملوثات وتنظيف البيئة البحرية منها قبل ان يتفاقم خطرها ويمتد إلى مناطق واسعة, وفي كلتا الحالتين لابد من الوعي العام بضرورة الحفاظ على البيئة ولابد من تعاون كافة الجهات ذات العلاقة في تطوير امكانياتها الحالية المستخدمة في رصد ومعالجة التلوث, ولابد من وجود فريق أو طاقم طوارىء مجهز لمسح شواطىء الدولة ويتم استدعاؤه في حالة حدوث أي كارثة بيئية وبالاخص التلوث بالنفط وذلك حتى لا تتشتت مساعي الجهات المعنية في مثل هذه الحوادث وليتم تنسيق العمل والاسراع في الحد من انتشار التلوث فور حدوثه, وفي حالة التلوث النفطي أو التلوث الذي تتسبب فيه جهة بعينها, لابد من ايجاد آلية التعويضات لنوعية وكمية الملوثات التي قد تتسرب إلى البيئة البحرية, ويقصد د. الغيص بآلية التعويضات ان يتم تحديد المناطق الحساسة وبيئتها ومواسم تكاثر الاسماك والطيور البحرية واهمية الشواطىء واثر الملوثات على هذه البيئات. واكد ان هيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها على اتم استعداد لتقديم خبرتها ونتائج دراساتها في هذا المجال.

تعليقات

تعليقات