كولونيا (ألمانيا) - إيرين

اتسمت بداية العام 2016 بحدوث تدهور آخر في استجابة أوروبا لأزمة اللاجئين. فهل ستشهد السنة الحالية مزيداً من التسابق نحو القاع؟ أم ستتعلم الدول الأعضاء الدروس المستفادة من العام 2015 وتتوصل إلى توافق الآراء اللازم لإدارة وصول مئات الآلاف من اللاجئين الآخرين بطريقة إنسانية؟

جاءت أحداث كولونيا في ليلة رأس السنة الجديدة في أسوأ وقت ممكن بالنسبة للاجئين الذين يأملون في الحصول على حماية وحياة جديدة في أوروبا: فمع ظهور تقارير تفيد بأن طالبي اللجوء والمهاجرين كانوا من بين مرتكبي الاعتداءات الجنسية وعمليات السطو المسلح، بدأ رد فعل عنيف يسهل التنبؤ به يكتسب زخماً. وردت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل باقتراح تشريع جديد يجعل من الأسهل ترحيل أولئك الذين يرتكبون جرائم، لكنها تقاوم حتى الآن ضغوطاً متزايدة لوضع حد لعدد طالبي اللجوء الذين ستقبلهم ألمانيا في 2016.

وبحلول الأسبوع الماضي، كانت ألمانيا الدولة الوحيدة تقريباً في أوروبا التي تتبع سياسة الترحيب باللاجئين إلى حد كبير. أما السويد، التي استضافت، جنباً إلى جنب مع ألمانيا وبضعة بلدان أخرى، الغالبية العظمى من أكثر من مليون طالب لجوء نجحوا في شق طريقهم إلى أوروبا في العام 2015، فبدأت العام الجديد بفرض قيود على الحدود حالت دون دخول الوافدين من الدنمارك الذين لم يتمكنوا من إبراز وثائق هوية. وحذت الدنمارك حذوها بسرعة عن طريق فرض قيود مماثلة على الحدود الجنوبية مع ألمانيا.

ولم تبد الدول الأعضاء الأخرى اهتماماً يُذكر بقبول نصيبها العادل من طالبي اللجوء. ونفذت العديد منها تشريعات تحد من نوع ومدة التصاريح التي تقدمها، وجعلت جلب اللاجئين لأفراد أسرهم لكي ينضموا اليهم أكثر صعوبة.

وربما يكون الأمر الأكثر فظاعة هو أن الحكومة الدنماركية تدرس إصدار قانون من شأنه أن يمنح السلطات صلاحية مصادرة المجوهرات وغيرها من الأشياء الثمينة من طالبي اللجوء الوافدين كوسيلة لتغطية مصاريف استضافتهم.

وعلق كريس بوليت، كبير مسؤولي الشؤون القانونية والسياسات لدى المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين ومقره بروكسل، على ذلك قائلاً: «نرى اتجاهاً متزايداً للاشتراك في سباق نحو القاع من حيث سياسات اللجوء على المستوى الوطني. يكاد الأمر يبدو كما لو كنا قد عدنا إلى الوراء 15 عاماً، أي قبل التوصل إلى سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة. وبدلاً من إصلاح الوضع الحالي، أصبح الأمر برمته يتعلق بقول: لا تأتوا إلى بلدي».

وردد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي هذه الرسالة، وأعلنوا يوم الخميس أن الأولوية القصوى خلال الشهور الستة المقبلة ستكون الحد من عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى أوروبا.

ولم يتوصل أحد إلى كيفية القيام بذلك حتى الآن، فيما عدا إلقاء المسؤولية على بلدان أخرى. مع ذلك، هناك مجموعة من الإجراءات المطروحة على الطاولة، والتي من المحتمل أن نسمع المزيد عنها مع اقتراب فصل الربيع، ومعها احتمال أن يعاود عدد الوافدين الجدد - الذي لا يزال مرتفعاً بعناد حتى الآن في منتصف فصل الشتاء - الارتفاع مرة أخرى إلى المستويات القياسية التي شهدناها في شهري سبتمبر وأكتوبر.

تكثيف الضغوط

وفي أواخر شهر نوفمبر، وضعت أوروبا اللمسات الأخيرة على اتفاق تحصل بموجبه تركيا على مبلغ أولي قدره ثلاثة مليارات يورو للمساعدة في دعم 2.2 مليون لاجئ سوري تستضيفهم، فضلاً عن حوافز متنوعة أخرى، في مقابل العمل على وقف تدفق المهاجرين واللاجئين الذين يستخدمون البلاد كنقطة انطلاق إلى أوروبا.

وسوف تصبح ميركل، التي أيدت عقد الصفقة مع تركيا، أكثر عزلة في نهجها تجاه أزمة اللاجئين في حال فشلها.

من جانبه، قال كارل كوب من منظمة حقوق الإنسان الألمانية برو أسايل (PRO ASYL): «الجميع يقولون بصفة رسمية الآن أنهم يريدون خفض الأعداد هذا العام». ويضيف إنّ «نهج ميركل هو العمل مع تركيا، وهو في الواقع خطأ فادح» مستشهداً بالحوافز التي يمنحها الاتفاق لتركيا نظير اعتراض و«سحب» الزوارق التي تقل لاجئين.

إعادة توطين

وتسعى ميركل أيضاً إلى إقناع الدول الأعضاء الأخرى بالانضمام إلى ألمانيا في قبول أعداد أكبر بكثير من اللاجئين مباشرة من تركيا مقابل مساعدتها في إبطاء تدفق طالبي اللجوء غير المنظم إلى أوروبا. لكن المؤشرات الأولية توحي بأن الدول لن تشارك في خطة إعادة التوطين الطوعية حتى ترى مزيداً من الأدلة على أن تركيا سوف تفي بالتزاماتها وفق هذه الصفقة.

العنصر المفقود

وحتى الآن، لا يزال تضامن الاتحاد الأوروبي هو العنصر المفقود في كل محاولات حل أزمة اللاجئين تقريباً.

في بداية 2016، يبدو هذا التضامن أكثر صعوبة من أي وقت مضى نظراً لتنامي نفوذ الحكومات اليمينية الشعبوية في الكثير من بلدان أوروبا الوسطى ويستسلم القادة في كل مكان للضغوط الانتخابية التي تجعلهم يتخذون قرارات سياسة قائمة على الخوف وكراهية الأجانب.

© ينشر في «البيان» بترتيب مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

إصلاح

في شهر مارس المقبل، سوف تعلن المفوضية الأوروبية عن اقتراحها لإصلاح نظام دبلن، الذي يهدف إلى تحديد الدولة العضو المسؤولة عن البت في طلب اللجوء.

وفي الممارسة العملية، غالباً ما تستخدم دول شمال الاتحاد الأوروبي نظام دبلن كوسيلة للتخلي عن المسؤولية عن طالبي اللجوء الذين يتم تسجيلهم مبدئياً في دول المواجهة، مثل إيطاليا واليونان.

تعزيز الحدود

ليست السويد والدنمارك سوى آخر البلدان التي أقدمت على تنفيذ الرقابة على الحدود، وهو إجراء طارئ مسموح به لمدة تصل إلى ستة أشهر، وفقاً لقانون حدود شنغن. وقد فرضت ألمانيا قيوداً على حدودها مع النمسا في شهر سبتمبر الماضي، ويُعد ذلك إلى حد كبير وسيلة لإدارة الوصول الفوضوي لحوالي 10 آلاف طالب لجوء يومياً عبر طريق البلقان من اليونان.