أبوظبي ـ مصطفى خليفة

غرقنا في بحر الاجتهادات العلمية المتلاطمة، إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتخرج علينا دراسة طبية أيا كانت طبيعتها وجنسيتها تتداولها وسائل الإعلام وسرعان ما تخط طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح ككرة الثلج تكبر شيئا فشيئا تحذر وتحظر وتعد وتتوعد، مرة تبعث الأمل في النفوس ومرة أخرى تحبط عزائم المستهلكين، ولتقريب الصورة أكثر.. فالناس على اختلاف أذواقهم يفضلون شرب القهوة وترى دراسات طبية أن مادة الكافيين الموجودة في القهوة تحفز الجهاز العصبي وتنشط عضلة القلب وتقوي الدورة الدموية للدماغ، كما تقضي على الصداع النصفي حيث تعمل على توسيع الأوعية الدموية في المستقبلات العصبية في الدماغ وهو ما يعطي الإحساس بالنشاط والقدرة على التفكير، لكن في المقابل.. حذر فريق بحثي في جامعة كولونيا من مخاطر تناول القهوة، إذ يرون أن مادة الكافيين التي تنتجها نبتة القهوة لإبعاد الحشرات عن أوراقها هي مادة سامة لها نفس التأثير السلبي على الجسم البشري، إذ يرون أن الكافيين مرتبط بأنزيم «سيد كوم بي 1 أيه 2» الذي لا ينشط بنفس القدر لدى جميع البشر في حالة الإفراط في تناول القهوة فهو يحفز إنتاج الأدرينالين في الغدة الكظرية التي توتر الإنسان.. إذاً نصدق من؟!

دراسات استهلاكية

الدكتور يوسف شوقي حسن استشاري الغدد الصماء والسكري في مستشفى النور بأبوظبي يشير إلى أن هناك دراسات طبية معتبرة وموثوقة النتائج وتجريها مراكز متخصصة وينفق عليها ملايين الدولارات، وهي غالبا ما تتضمن فعالية دواء جديد مبتكر أو طريقة جديدة للتشخيص أو العلاج وتجد تفاعلاً وصدى كبيرين من قبل الأطباء والمختصين على مستوي العالم، وفي المقابل هناك دراسات غير موثوقة أو معتمدة المصادر ربما يقوم بها شخص أو مركز لإثبات حالة معينة أو لدعم دواء معين أو لإكساب منتج قوة وفعالية لدى المستهلكين، لافتا إلى أن مثل هذه الدراسات على الرغم من أنها تجد صدى إعلاميا واسعا ربما لطرافتها أو لغرابتها إلا أنها لا تساوي شيئا لدى المختصين.

ويضرب الدكتور شوقي مثالا على الحالتين بقوله مثلا نرى الدراسات الطبية المتعلقة بالأدوية الجديدة لعلاج التهاب الكبد سي مثل دواء «كيوريفو» الجديد الذي تم اعتماده من قبل الهيئات الطبية العالمية ويتم تناوله عن طريق الفم فقط ويؤخذ العلاج دون «الإنترفيرون» للمرضى المصابين بفيروس التهاب الكبد المزمن «سي»، حيث أثبتت الدراسات الموثقة بأنه يقي من المرض بنسبة 100% للنوع الجيني الرابع للفيروس، وكذلك الأبحاث التي أجريت على المواد الفعالة لأدوية الضعف الجنسي والتي أثبتت فعالية طبية مؤكدة.

ويضيف «أما الدراسات التي تتحدث عن منتجات معينة وأهميتها وفوائدها للجسم، فهي تدخل في اطار الترويج أو الإغراء أو الطرافة ولا علاقة لها بالبحوث العلمية.

عدد أفراد العينة

الدكتورة موزة الحساني استشارية طب الأطفال في مدينة الشيخ خليفة الطبية، ترى أن اختلاف أو تضارب نتائج الأبحاث والدراسات الطبية تعود إلى العديد من الأسباب منها مدى الالتزام بمعايير ومنهج البحث العلمي وفي تحليل مدخلات البحث، ففي نفس الدراسة يمكن لفريق لدى تحليل النتائج الخروج بنتائج مختلفة تماما عن فريق آخر، وهذا يتعلق بمدى الخبرة والتزام الفريق البحثي بالأخلاقيات والمعايير الطبية، كما أن عدد الفئة المبحوثة من الأهمية بمكان فلا يمكن أن تتطابق نتائج دراسة أجريت على 10 أفراد بدراسة أخرى أجريت على 10 آلاف شخص مثلاً. وأشارت الدكتورة الحساني إلى أن هناك بعض الدراسات التي تكون ناقصة، حيث تبحث تأثير مادة معينة على منطقة معينة من الجسم، وهذه الدراسات ينقصها الشمولية والموضوعية، فعلى سبيل المثال هناك دراسات تشير إلى فوائد القهوة في تنشيط الجهاز العصبي ولكنها تتجاهل أضرار القهوة على بقية أعضاء الجسم، المهم في الموضوع هو مدى الالتزام بالأخلاقيات الطبية والعلمية أثناء الدراسة الطبية وفي تحليلها.

فروقات في النشر

تشير غادة سعيد مسؤولة التثقيف الصحي في مستشفى الرحبة، إلى أنه غالبا ما يشوب الدراسات الطبية عند نشرها الكثير من المبالغات، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف، وعندما نقارن بين طريقة نشر دراسة واحدة في المجلات العلمية وبين طريقة نشرها في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي نجد هناك فروقا كبيرة في نتائج الدراسة، وعلى سبيل المثال عندما نقرأ في بعض الصحف أن دراسة طبية تتوصل إلى علاج نهائي لمرض السكري فهذا يعني أنه تم التوصل فعلاً إلى علاج نهائي للمرض، ولكن عندما نقرأ نفس نتائج هذه الدراسة في مجلة علمية نجد أن هذا الدواء يمر بمراحل مختلفة قد تؤدي بعد 10 أو 15 سنة إلى التوصل إلى علاج نهائي للمرض.

دراسات طريفة

تحدث الدكتور محمد جمال أخصائي العلاج الطبيعي في أبوظبي عن بعض الدراسات الطبية الطريفة، حيث أوصت دراسة علمية بضرورة تطعيم الذكور بلقاح سرطان»عنق الرحم” الذي يقي الإناث من الإصابة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) وذلك لأنه أثبت فعالية كبيرة في وقاية الذكور من عدة سرطانات تصيب الرجال مثل سرطان الفم والحنجرة والمريء والسرطانات التناسلية لدى الرجال، وأن أستراليا أدخلت التطعيم المضاد لسرطان عنق الرحم فعليا ضمن البرنامج الوطني للتحصين لديها لتطعيم الرجال.

الحب الافتراضي

وأضاف أن دراسة أخرى تذكر أن العمر الافتراضي للحب هو ثلاث سنوات، حيث يقول الباحث الأميركي وليام روبسون بأنه عندما يصل الحب إلى نهاية عمره الافتراضي وهو ثلاث سنوات يصبح نور الحب خافتا، وفي دراسة أميركية تتناقض مع بعض المفاهيم المتعارف عليها أشارت إلى أن الفقر يعد من أسباب البدانة وزيادة الوزن، ولا سيما عند النساء، بينما لا ينطبق هذا على الرجال.

حديث

يورد الدكتور يوسف شوقي حسن دراسة أخرى تشير إلى أن هناك أسبابا طبية وراء ثرثرة النساء، وأن السيدات يتحدثن بما يقرب من 20 ألف كلمة في اليوم في المتوسط في مقابل 7000 كلمة فقط ينطقها الرجل طوال يومه، وأن العلماء تمكنوا من الوصول لتفسير لتلك الظاهرة، فقد وجدت دراسة أميركية حديثة أن النساء لديهن مستوى أعلى من البروتين في المخ يعرف بـFOXP2 والذي يتعلق بالتواصل اللفظي.