تبدأ المرحلة الأولى من عملية انتخابات الرئاسة الأميركية بعد شهر واحد. معها ينطلق قطار المعركة في رحلة تستغرق عشرة أشهر من الجولات والمناظرات وجمع التبرعات والتسويق، لتنتهي في أول يوم ثلاثاء من نوفمبر المقبل، باختيار رئيس لأربع سنوات أخرى.

من مطلع العام ولغاية بداية الربيع المقبل تقريباً، تبقى انتخابات التصفية بين المرشحين الجمهوريين، محور الاهتمام والأضواء. وفي ذلك الوقت تكون الصورة قد اتضحت لجهة المرشح الراجحة كفته إن لم يكن الذي حسمت التصفية لصالحه، من بين أحد المتنافسين، ثمانية حتى الآن، ليكون مرشح الحزب الجمهوري ضدّ أوباما الذي ينفرد بالترشيح عن الحزب الديمقراطي. الأمر الذي يعفي هذا الأخير من خوض المرحلة الأولى؛ هذه المرة.

مشهد المرشحين الجمهوريين غير اعتيادي إلى حدّ بعيد. رموزه من الصفّ الثاني في أحسن أحوالهم. منهم من جرّب في السابق هذا السبيل وفشلت محاولته بصورة بائسة. والباقون، وجوه جديدة أقرب إلى الهواة. ولذلك كانت سريعة العطب. معظمها صعد بسرعة ليهوي بسرعة أكبر. تفجّرت حملته كالفقاعة عند أول اختبار تمهيدي، قبل الدخول في معمعة التصفية. ومن المتعذر استعادتهم المبادرة. أحدهم، هرمن كين، الذي لمع نجمه بصورة لافتة؛ يقف الآن على عتبة الانسحاب من المعركة، بعد أن نبشوا دفاتره وفضحوا شطط سلوكه الشخصي المزمن، والذي أطاح برصيده وردّه إلى الحضيض.

الآن عشية المحطة الأولى في عملية الغربلة، 3 يناير المقبل، تبدو اللوحة كما تعكسها الاستطلاعات، وكأن السباق للفوز بترشيح الحزب الجمهوري يتجه لينحصر بين اثنين: حاكم ولاية ماساشوستس الأسبق مِتّ رومني، ورئيس مجلس النواب في الكونغرس سابقاً نيوت غينغريتش.

 هذا إذا لم تحصل مفاجآت. ومع أن الترجيح عموماً في مثل هذا الوقت سابق لأوانه ولا يخلو من المجازفة، إلا أن الأرقام والمؤشرات مع ظاهرة التساقط السريع التي شهدتها جبهة المرشحين الجمهوريين؛ فضلاً عن التسلّق التدريجي والثابت للثاني؛ كله يشي بأن غينغريتش بات أكثر المتنافسين حظّاً بحصد جائزة الترشيح وخوض المعركة ضدّ أوباما.

رومني لاعب عتيق ومتمرس في كار السياسة، وصاحب خبرة في السباق الرئاسي. وهو مقبول من جانب فريق وازن من الحرس القديم والتقليدي في الحزب. وقابل للتسويق. لكن مشكلته مع الجناح المحافظ والمتدين في قاعدة الحزب، أنه من طائفة «المورمن».

ومن المآخذ عليه أنه متقلّب المواقف والتوجهات. يمشي مع السوق. تقلباته سلّط الإعلام أضواءه عليها. بدا بذلك أقرب إلى الانتهازي في زمن أميركي يتسّم بالفرز السياسي الحاد الذي ينفر من اللون الرمادي. وهذا ما يفسّر جمود رصيده لدى الناخبين الجمهوريين، تحت 30%. لم يقو على تجاوز هذا الحدّ بالرغم من هبوط ثلاثة من منافسيه. رصيد هؤلاء ذهب إلى غينغريتش، الذي تسلّل من القاع صعوداً وبخطى ثابتة أوصلته إلى الصدارة، قبل شهر من بداية العدّ العكسي. طلع رئيس مجلس النواب السابق، على ركيزتين: ضعف خصومه وتفوقه مقارنة بهم، كمثقف وخبير ومطلّع من العيار الأول. أداؤه البارع في المناظرات، رفعه إلى المقدمة.

قدرته على مخاطبة قطاعات متعددة من الناخبين، لعبت الدور البارز في تزايد مقبوليته. بدا المرشح اللامع مقارنة بالآخرين المعطوبة صورتهم في أكثر جوانبها. هذه المعطيات ساعدته على تقديم نفسه بغير ما هو معروف عنه من نواقص ومآخذ ماضية، من علاقاته الزوجية الملطّخة ومن كونه أحد رجالات الطاقم السياسي الممقوت من قبل معظم الأميركيين. ثم إنه كان وما زال من عتاة اليمين المتشدّد تجاه السياسات الاجتماعية في الداخل، كما تجاه الملفات والقضايا الخارجية التي لا يقاربها سوى بلغة العصا. خاصة في منطقتنا.

اليوم يطرح غينغريتش نفسه كحكيم المحافظين، الواعد «باستعادة أميركا» إلى نفسها. وقبل كل شيء الرافع لراية منع أوباما من تجديد رئاسته. وعلى هذه الأجندة والخواء في صف المرشحين الجمهوريين، يبدو العائد من شبه الاندثار السياسي وكأنه في طريقه إلى الفوز بالترشيح. وربما بالرئاسة، إذا ما بقي الناخب الأميركي على غضبه من واقع الحال، والذي يترجمه عادة في الانتقام من القابع في البيت الأبيض. لكن هذا لا يصح التكهن به من اليوم. فقط يمكن الإشارة إليه كواحد من أهم العوامل الحاسمة في الاستحقاق الرئاسي.