أكد الدكتور محمود أبو زيد، رئيس المجلس العربي للمياه، وزير الري والموارد المائية المصري الأسبق، أنه لا يجب الخلط بين وضع الدول العربية في أزمة المياه، وبين دول حوض النيل؛ لأن لكل منها ملابسات خاصة.. موضحا أن الأزمة الحالية بين دول حوض النيل العشر، والتي ستصل إلى 11 دولة بعد انقسام السودان- لن تمتد لباقي الدول العربية.

وقال عن الأزمة الراهنة بعد توقيع بوروندي على اتفاقية عنتيبي، التي تتعلق بتقسيم مياه النيل، إنه يفترض موافقة برلمانات تلك الدول عليها، وبعدها يحق لها إقامة مشروعات فيما بينها دون الرجوع إلى اتفاقية مبادرة حوض النيل التي وقعت عام 1999.
ونفى أن تكون تلك المشروعات التي سيقيمونها ذات تأثير على حصة مصر، إلا أنه حذر من استمرار الفاقد الكبير في استخدامات المياه العربية الذي يصل إلى 50 ٪ في بعض الحالات خاصة مع قلة المصادر المائية في العالم العربي.
وتحدث أبوزيد في حوار مفتوح لـ«البيان» عن كل ما يتعلق باتفاقات دول الحوض والقضايا الشائكة التي واجهتها، بالإضافة إلى مشاكل المياه في كل العالم.
قال أبوزيد: لم يكن هناك تعاون بين دول حوض النيل، إلا في بداية فترة الستينيات وهي الفترة من 1964 إلى عام 1969، حيث بدأ التعاون بقيام مشروع بتمويل من الأمم المتحدة والذي أطلق عليه مشروع «الهيدروميت» واستمر هذا المشروع حتى عام 1991، وكان الهدف الرئيسي من هذا المشروع هو تجميع البيانات، خاصة تلك المعنية بالبحيرات الاستوائية مثل بحيرة فكتوريا، وقد استمر المشروع حتى عام 1993 ليتطور بعد إجراء بعض التعديلات فيه إلى مشروع «التيكونيت» والذي كان الهدف منه أولا البدء في دراسة المشروعات المائية التي تخدم دول حوض النيل، وإلى جانب ذلك البدء بالتفكير في إطار قانوني ومؤسسي من خلال اتفاقية تحكم التعاون بين دول حوض النيل.
وأضاف إنه في عام 1994 تقدمت مصر بمبادرة حوض النيل، وفيها دعت مصر كل الدول للمشاركة، وكان أساسها هو العمل على تنفيذ المشروعات التي تمت دراستها في مشروع «التيكونيت»، مع ضرورة أن يكون عائد تلك المشروعات على دولتين كحد أدنى مع عدم الإضرار بأية دولة أخرى، كما نصت المبادرة على إنشاء لجان تفاوضية للوصول إلى الإطار القانوني الخاص بالاتفاقية وذلك في عام 1998.
وكان أول اجتماع لتلك اللجان التفاوضية في عام 2004، وفيها تم تقسيم مشروعات الاتفاقية إلى قسمين: مشروعات تشمل الحوض كله كمشروعات الثروة السمكية والمشروعات الكهربائية، وأخرى خاصة على مستوى الأحواض الفرعية والتي تنقسم إلى حوضين فرعيين؛ حوض النيل الشرقي الذي يضم (مصر ــ أثيوبيا ــ السودان)، وحوض النيل الجنوبي والذي يضم باقي دول حوض النيل، وقد تم تمويل تلك المشروعات من خلال إدارة البنك الدولي من المنحة التي تم تقديمها إلى دول حوض النيل.
بناء الثقة
أضاف أبوزيد إن مصر سعت خلال تلك المبادرة للعمل على بناء الثقة بين دول حوض النيل من خلال تبادل البرلمانيين بإرسالهم واستقبال آخرين وصحفيين من دول حوض النيل، وبالتالي تطورت العلاقة بشكل كبير، مشيرا إلى أنه خلال تلك الفترة تمت دراسة المشروعات، كما تم عرض تلك المشروعات على اللجان الفنية لإعدادها للتنفيذ الفوري، وأنه حتى يونيو 2007 كان قد تم الإعداد والاتفاق على 98 ٪ من المبادرة لعقد اتفاقية حوض النيل، ليتبقى بند واحد وهو الخاص بحصة المياه الخاصة بمصر والسودان، واستمر الاختلاف حوله لمدة سنة كاملة، حيث طالبت باقي الدول بوضع الاستخدامات الخاصة بكل دولة وذلك حتى أوائل 2008، وتم تكليف رئيس أوغندا بدعوة رؤساء الدول للوصول إلى حل لذلك البند ثم توقيع الاتفاقية، وخلال تلك الفترة وضعت مجموعة من البدائل من خلال مصر والسودان، بالإضافة إلى مجموعة من البدائل التي قدمها البنك الدولي للتخلص من الأزمة، وكان ضمن تلك البدائل الاعتراف بحصة مصر والسودان وذلك حتى عام 2008.
اتفاق «عنتيبي»
وعن اتفاق «عنتيبي» بأوغندا، قال إن دول حوض النيل اعتقدت أن هناك تراجعًا في السياسات المصرية في التعامل مع المبادرة، وأنها تريد أن تضيف الاتفاقات القديمة إلى المبادرة الحالية وهو ما يخالف ما تم الاتفاق عليه، وتوصلت دول حوض النيل إلى أن المشروعات الخاصة بها جاهزة، كما أن التمويل الخاص بهذه المشروعات يتوقف على توقيع الاتفاقية؛ إذن فالحل هو توقيعها بدون الموافقة المصرية وترك البند الخاص بمصر إلى المفوضية التي تضمها الاتفاقية للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف وذلك من خلال النظر فيه خلال 6 أشهر، ولكن مصر اعترضت على تلك الخطة، وكانت الدول التي وقعت على اتفاقية عنتيبي هي 5 دول من أصل 10 هي مجمل دول حوض النيل، ولكن بعد توقيع بوروندي تصبح الدول الموقعة 6 دول ويصبح من حقها أن تبحث مشروعاتهم فيما بينها، ولكن إذا فكروا في مشروع طرفه مصر أو السودان لا بد أن تبحثه الدول العشرة.
مصالح مصر لن تتأثر
وحول تأثير هذه المشروعات على حصة مصر من المياه أعرب أبوزيد عن اعتقاده بأن مصالح مصر لن تتأثر؛ لأن الدول الموقعة على هذه الاتفاقية لن تستطيع إنشاء مشروعات كبيرة يمكن أن تؤثر على حصة مصر من المياه وحتى إذا حدث ذلك لن يكون تأثيرًا كبيرًا، وحتى إذا طلبوا من الدول الكبرى أو الجهات المانحة بتمويل مشروعاتهم فإن لهذه الجهات توجهات محددة ولديها معايير ثابتة لتمويل مثل هذه المشروعات أولها موافقة الدول المتشاطئة على النهر عليها حتى لا ينعكس ذلك سلبًا على حقوق الآخرين، خاصة دول المصب.
ورأى أنه في حال التصديق على تلك الاتفاقية من برلمانات هذه الدول فإنها لن تضر بمصر بشكل مؤثر كما يتوقع البعض؛ لأن تلك الاتفاقية لا تمثل سوى وسيلة لتحقيق بعض المشروعات التي تخدم دول حوض النيل، ولكن الضرر إن وقع لن يكون الآن وإنما على المدى الطويل؛ لأنه من المتوقع أن تصل الزيادة السكانية في مصر إلى أضعاف العدد الحالي والتي تقدر بـ150 مليونا خلال 2050، وبالتالي فنحن بحاجة إلى زيادة الحصص المائية المصرية والتي لن تتم بدون الوصول لاتفاق مع دول حوض النيل.
التعاون بين دول الحوض
وتابع أبوزيد: ليس هناك مشكلة في التعاون بين دول الحوض وأعتقد أن مصر ظلت حريصة على مبدأ التعاون والتفاهم بحيث يكون هناك استقرار تام وحرص على استفادة الجميع من مياه النيل، وبعد توقيع بوروندي الأمر يتطلب التعامل مع موقف الـ6 دول بوعي، وعلى مصر والسودان أن تقوما بالتفاهم مع هذه المجموعة وتحذيرها من إقامة مشروعات يمكن أن تؤثر على الاستخدامات الدولية المدونة تاريخيا دون إخطار مسبق لهما، بالرغم من أننا ندرك عدم قدرة هذه الدول على إقامة مثل هذه المشروعات التي يمكن أن تؤثر على حصص دولتي المصب.
وحول اعتقاد البعض أن مصر تتعامل بشكل استعلائي مع أزمة حوض النيل، قال رئيس المجلس العربي للمياه إنه من الممكن أن يكون ذلك صحيحا قبل العشر سنوات الماضية، حيث كانت العلاقات مع دول حوض النيل سيئة جدا نظرا لأسباب التباعد بين الدول، كما أن رؤية دول حوض النيل في تلك الفترة أن مصر تستحوذ على حصص مائية يعتقدون أنها خاصة بهم على الرغم من أن كل استخدامات مصر للمياه لا تتعدى الـ5، وربما سوء الفهم هذا يرجع إلى عدم وجود سياسة ثابتة في دول حوض النيل للتعامل مع الأزمة ولعله يعود إلى تغير الوزراء بصورة مستمرة، وأن بعضا منهم سياسيون أكثر منهم فنيون، مؤكدا أن مصر تمتلك أكثر البيانات الخاصة بنهر النيل.
وأوضح أن العلاقات بدأت تتحسن في مرحلة التسعينيات بعد اجتماعات تم عقدها تم فيها الإثبات من خلال دراسات علمية أن تلك الدول -التي اتهمت مصر برغبتها في الاستحواذ على مياه النيل لصالحها فقط- تستخدم حصة مياه أكثر من مصر، وذلك عن طريق حساب حصة المياه التي تسقط على مياه النيل وما يصل إلى المجرى من خلال صور الأقمار الصناعية بمركز المعلومات، بالإضافة إلى توضيح أن تلك الدول تعتمد على مياه الأمطار في الري، كما أن احتياجاتهم الزراعية ليست كاحتياجات مصر والسودان الزراعية، حيث أثبتت تلك الدراسات أن الكيلو الواحد للحيوانات كالبقر يحتاج إلى 20 ألف لتر من الماء، ودول أفريقيا تعد محميات ومزارع لكثير من الحيوانات وكل تلك الحصص المائية كانت خارج حساباتهم، وأضاف: بالتالي بدأت النبرة الخاصة باستحواذ مصر والسودان على كل الحصص المائية تتراجع، وخلال الاجتماعات السابقة تم الاتفاق على الـ70 بندًا الخاصة بالاتفاقية، حتى وصلوا إلى البند الخاص بحصة مصر والسودان والذي مازال الاختلاف عليه قائما حتى الآن.
المياه الجوفية هي الحل لمعظم الدول العربية
وعن الوضع الخاص بالمياه على المستوى العربي رأى أبوزيد أن المياه الجوفية هي الحل بالنسبة لمعظم الدول العربية عدا مصر والسودان؛ لأن المياه الجوفية تتواجد بصور مختلفة، خاصة في دول الخليج والسعودية وليبيا، فهي تتواجد على صورتين الأولى كمصدر متجدد من الأمطار أو من خلال التسرب من الأنهار إلى آبار المياه الجوفية.. أو غير متجدد وهو الموجود منذ ملايين السنين والمتمثل في المياه الموجودة تحت الأرض مثل الآبار الموجودة في ليبيا كالنهر العظيم، وما يوجد في غرب الدلتا والواحات وشرق العوينات، وبالتالي فهذا النوع من المياه عند استخدامه تتناقص كمياته وبالتالي في وقت من الأوقات سينتهي.
ودعا أبوزيد إلى الحرص عند استخدام هذا النوع من المياه وعند ضخها، وعمل الدراسات اللازمة للتعرف على مدى قدرة تلك المياه الجوفية على الاستمرار وإلى أي مدى قادرة على سد الاحتياجات المائية، مشيرا إلى وجود ما يطلق عليه «التصرف الآمن» وهو استخدام المياه بما يكفي الاحتياجات الضرورية فقط لأكبر مدة ممكنة.
وقال إن استخدامات المياه الجوفية تختلف من دولة إلى أخرى، وبالنظر إلى الكميات التي توفرها المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة فهي لا تكفي الاحتياجات المائية المستقبلية، نعم هي جزء من الموارد المتاحة ولكنها لا تكفي.
أزمة وشيكة
أكد أبوزيد إن الدول العربية قدمت مجموعة من الإستراتيجيات من خلال جامعة الدول العربية، تتيح لها كيفية التصرف حيال الأزمة المائية الوشيكة، والتي من المفترض عرضها خلال الفترة المقبلة، ولعل أهمها العمل على الاستفادة من موارد المياه غير المستغلة مثل مياه الأمطار والسيول وإعادة الاستخدام، والتي تعتبر إحدى الآليات المقترحة لحل الأزمة، وتعطي موردًا مائيًا آخر مثل ما يحدث في سنغافورة والتي تعيد استخدام مياه الصرف الصحي على مستويات عالية من التنقية بحيث تصبح صالحة للشرب مرة أخرى، وإذا كان يتم إعادة استخدام المياه مرتين في مصر، فهناك دول أخرى كألمانيا تعيد استخدامها لخمس مرات كوسيلة لتوفير المياه، هذا بالإضافة إلى أهم آلية وهي تقنين استخدام المياه المشتركة من خلال الاتفاقيات.
