في الأيام الأخيرة من كل عام، تأخذ السياسة إجازة في واشنطن، وتنشغل الدوائر المعنية في جردة السنة الآفلة بأرباحها وخسائرها. كما في محاولات استشفاف واستطلاع ملامح وتطورات السنة المقبلة. الأولى، كان عنوانها التراجع. الثانية، هذه المرة زئبقية بامتياز. المجهول سيّد الموقف. الترجيح مفقود. التكهنات والتخمينات حول ‬2011 تتأرجح بين الرمادي والضبابي، تحكمها البلبلة في الاقتصاد والقضايا الداخلية، كما في القضايا والحروب الخارجية.

الاقتصاد الأميركي صمد في ‬2010 وحمل مؤشرات انتعاش، لكنها هشة. التقديرات حول احتمالاته في العام المقبل تتوزّع بين إبداء التحفظ وافتعال التفاؤل والتحذير من المبالغة. الصورة على جبهة الوضع السياسي ليست أفضل، الرئيس باراك أوباما تيسّر له في الأيام الأخيرة تعديل وضعه، أو هكذا بدا على الأقل. نجح في انتزاع موافقات مهمة من الكونغرس وخاصة من مجلس الشيوخ. لمعت من جديد صورته. لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنه استعاد المبادرة. القناعة الراجحة في واشنطن أن بانتظاره عاماً مقبلاً صعباً وربما عامين. اليمين القادم إلى الكونغرس يكاد يتعهد، خصوصاً رموزه من حزب الشاي، بالوقوف العنيد في وجه سياسات أوباما، بل بالسعي للانقلاب، إذا أمكن على ما أنجزه.

التوقعات والتكهنات بخصوص ملفات السياسة الخارجية مضطربة أكثر هي الأخرى، خاصة بشأن أفغانستان. يؤكد البيت الأبيض وعده بمباشرة الانسحاب من دون تحديد في يوليو المقبل، واستكماله في ‬2014. الشكوك كبيرة حول ذلك، حتى الإدارة لا تبدو على يقين من أمرها. ليس هناك في واشنطن من يقوى على الجزم في هذا الشأن. ولا حتى بشأن الانسحاب الكامل بعد عام من العراق. وهكذا الأمر بخصوص عملية السلام، والتذبذب المعيب الذي حكم سياسة الإدارة حيالها. في الوقت ذاته، يجري همس بأن موضوع الدولة الفلسطينية بات محكوماً بالسير على الطريق المؤدّي إلى الأمم المتحدة، وغالباً إلى الجمعية العمومية. وثمة من لا يستبعد أن يلقى طريقه إلى مجلس الأمن؛ إذا عزم العرب على جعل الفيتو الأميركي ضدّه أمراً مكلفاً في حال استخدامه، كما قالت مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة «كارنيغي» للدراسات والأبحاث في واشنطن مارينا أوتاواي، في ردها على سؤال لـ«البيان». مع عودة السياسة من إجازتها الأسبوع المقبل، تبدأ الأجواء بالتكشف. العيون والأضواء تتجه نحو الكونغرس الجديد الذي يبدأ دورته يوم الثلاثاء. صفحة غير مسبوقة بمعطياتها. الماكينة الأميركية معطوبة. الحديث عن خللها الفادح بات حديث الساعة في واشنطن. النظام المالي تغوّل والنظام السياسي ترهّل. حروب الخارج تهدّد بالمزيد من النزف. صحيح أن أميركا لها تاريخ في النهوض من الكبوات وبعضها كاد يكون من الصنف القاتل ولديها التجربة والمؤسسات والبنية العلمية والتحتية للخروج من أزماتها. لكن النهوض لزمه في كل مرة قيادة على قدر التحدّي. بضاعة تفتقر إليها أميركا اليوم. الشحّ في القيادات ضارب أطنابه. خاصة في الكونغرس. أوباما يملك المواصفات، لكنه تهيّب الاقتحام وتراجع عن قناعاته ناهيك عن الإصرار على ترجمتها.