ثلاثية اللغة

اشتكت طفلة في الصف الثالث إلى أمها صعوبة الفهم والتعبير باللغة العربية الفصحى. وعندما حاولت الأم التقريب بين الفصحى واللهجة الإماراتية اعترضت الطفلة، وأصرت على أنها مختلفة، لا عربية (تقصد اللهجة المحلية) ولا إنجليزية، وهي اللغة التي تفضل تلك الطالبة، مثل كثير من أطفالنا اليوم، التحدث والتعبير عن ذواتهم بلسانها. وكأنها تؤكد أنها لغة ثالثة مقررة في المناهج.


في المراحل الزمنية السابقة كانت الشكوى من مادة النحو وصعوبة فهمها، أما المفردات من حيث الاستماع والتعبير فلم تشكل لغزاً لعموم الطلاب. كانت الدروس ولغة التخاطب داخل المدرسة هي العربية، وكانت كل أفلام الرسوم المتحركة وبرامج الأطفال تقدم باللغة الفصحى، وكان الصغار يتفاعلون معها ويفهمون لغتها دون الحاجة إلى مترجم. بل أثّرت تلك البرامج في أسلوب الكثير منهم أثناء اللعب وفي المدرسة.


كانت اللغة جزءاً من أسلوب حياتهم فلم تصبح غريبة عليهم، على الرغم من افتقاد الكثير من أولياء الأمور المستوى التعليمي الكافي. وقبل ذلك بقرون كانت اللغة العربية هي اللسان الأوحد والوعاء الأكبر الذي تتشكل منه الأفكار وتسيل به الكلمات دونما حاجة إلى «سيبويه» ليصحح اعوجاج ألسنتهم. وعندما دار الزمن وبدأ الجور على العربية الفصحى بأفلام ديزني التي استبدلت بالفصحى لهجات عربية محلية، ثم توالى الجور عندما خلت الساحة للغة الإنجليزية لتكون وسيلة التواصل مع الأطفال العرب.

وتجاوز المجال البرامج الفنية إلى البرامج التعليمية، وتحولت البيئة المدرسية إلى بيئة نافية للعربية، عزلتها في مادة أفرغت من معظم محتواها وأسباب قوتها بحجة التبسيط الذي أفضى إلى التسطيح، عندما حدث كل ذلك صارت الفصحى بالفعل لغة غريبة صعبة لا يرى فيها الصغار مبرراً للتعلم غير أنها مصدر للضغط وجلب التوتر.


ثنائية اللغة، على الرغم من الخلل في المصطلح، لم تتحقق، والقسمة بين اللغتين قسمة ضيزى. فالثنائية، لو قبلناها على مضض، تعني المساواة في الحضور والتأثير والتفكير، ولكن الحاصل في مدارسنا وكلياتنا وميادين العمل أن المساواة غير موجودة، وإن الحال استقر للغة رئيسة أصبحت إجادتها فرضاً وهي الإنجليزية، ولغة فرعية معرفتها من باب التنفل وهي العربية.


ولسان حال الواقع يؤكد أن الدور ربما يكون على اللهجة المحلية بعد أن أصبح الصغار يدرسون ويتكلمون ويلعبون ويغنون ويتلاسنون باللغة الإنجليزية. فربما لا يجدون بعد ذلك حاجة لازدواج في ألسنتهم وعقولهم لا يستحسنونه. وأمامنا أمثلة لشعوب ولغات عدة أصبحت من موجودات المتاحف وحكايات الماضي، عندما جارت فيها ثقافة المنتصر في لحظة غفلة من أصحابها.


 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات