ليلة القدر مكانة عظيمة ونفحة مباركة

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين.

وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

لله تعالى في أزمنته التي خلقها لعباده نفحاتٌ وهباتٌ وتجلِّياتٌ، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم عز وجل في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعلّ أحدكم أن تصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً». وهذه النفحات منها ما أخفى الله أمرها، ومنها ما بين الله تعالى شأنها مع خفاء وقتها.

ليلة القدر

ومن أعظم ما بين الله تعالى شأنها وفخَّم أمرها ليلة القدر، أي ليلة المكانة العظيمة الكبيرة التي لا يخطر في بال قدرها وكبير منزلتها، فقد خص الله تعالى ذكرها بسورة كاملة، وكرر ذكرها ثلاث مرات، وبين ما فيها من فيض إلهي بتنزُّل الملائكة وروح القدس.

وهو أفضل الملائكة، لأنه سفير الوحي بين الله ورسله، وبيَّن أجرها العظيم بأنه أجر لا ينال بالكسب، بل هو فضل من الله تعالى ونعمة، لأن ليلة واحدة تكون خيراً من ألف شهر، هذا مما لا يدخله القياس.

ومن عظيم منزلتها أن العمل فيها غير محدد بنوع من الصالحات، بل ترك لرغبة العامل وتيسره عليه، وإن كان القيام هو أبرز أعمالها، وأفضل وظائفها لقوله عليه الصلاة والسلام: «من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه».

صلاة القيام

فإن قيام ليلة القدر يعني صلاة القيام فيها، وذلك شامل للتراويح والتهجد، وكل نوافل الصلاة، لكن ذلك ليس كل ما هو فاضل فيها، فقراءة القرآن فيها هو من أعظم الأعمال فيها؛ لأنه وقت تنزله الذي أشار إليه الحق سبحانه بقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} أي القرآن الكريم.

حيث اختار الله لتنزله أعظم الأوقات وأشرفها وهو هذه الليلة، وكما قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} فهذا بيان لفضلها من أنها ليلة مباركة، ففيه إشارة إلى أن قراءة القرآن فيها هو من ذكرى تنزله التي ينبغي أن لا يغفل عنها الإنسان.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص الليل بقراءة القرآن وتدارسه مع جبريل عليه السلام، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما: «وكان جبريل صلى الله عليه وسلم يلقاه في كل رمضان يدارسه القرآن».

بركات ليلة القدر

ومن بركة ليلة القدر مضاعفة الأجر والثواب فيها بذلك القدر الكبير، بينه الله تعالى بأن أجر العمل فيها أياً كان يفضل أجر العمل في ألف شهر، أي 83.3 قياماً أو تهجداً أو صدقة أو تلاوة...

كما بين الله تعالى شيئا من فضائلها أنه {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي يُقدِّر فيها كل ما أراده الله لعباده وفي كونه، تقديراً نابعاً من حكمة الله تعالى وعدله.

وهذا البيان كله ليتنبه العباد لاغتنامها بصالح القول والعمل، حتى لا تذهب عنهم من غير اغتنام لفضلها، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم في أشد الحرص على إدراكها، فكانوا يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اعتكف لطلبها، اعتكفوا معه، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:

«اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأُول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً صبيحة عشرين من رمضان فقال:

«من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم، فليرجع، فإني أُريت ليلة القدر، وإني نُسِّيتها، وإنها في العشر الأواخر، في وتر، وإني رأيتُ كأني أسجد في طين وماء».

أوقات مباركة

وإنما اعتكف أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم حتى لا يأتي وقت التجلي الإلهي وهم في غفلة عنها بحال من أحوال الدنيا، ولقد بلغ من حرصهم عليها أنهم تراؤوها في منامهم لشدة تعلقهم بها، كما روى ابن عمر رضي الله عنهما:

أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرَّها في السبع الأواخر».

بل كانوا حريصين على أن يعلموها على وجه التحديد كما جاء عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال:.. يا رسول الله، أقسمت عليك بحقي، في أي العشر هي؟ فغضب علي غضباً ما غضب علي قبله ولا بعده مثله.

وقال: «لو شاء الله لأطلعك عليها، التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعدها» وإنما غضب لإلحاحه في استبيان أمر لأمر لم يشأ الله تعالى أن يُعلم على التحديد، وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتم البلاغ.

 

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات