تطوع موسى عليه السلام في سقي الأغنام للمرأتين

«وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ» [القصص:23].

في هذه الآية الكريمة فوائد عظيمة وهي أن المؤمن بالله يسأل عن حال الناس، ولا يتجاهل حاجات الناس، بل يبادر لقضائها ويبذل ما بوسعه من أجل مساعدتهم، فموسى عليه السلام لم يكتف برؤية المشهد؛ رجال يستأثرون بالماء دون النساء، وامرأتان تبذلان جهدهما تذودان و تكفكفان غنمهما أن ترد غنم أولئك الرعاة لئلا يؤذيا بل بادر بالسؤال والاستجواب.

واستشعر معاناتهما، وتصرف تصرّف الرجل ذي المروءة والشهامة، الرجل الكريم الذي يعرف ما أوجب الله عليه وما يحب الله له «فَسَقَى لَهُمَا» وهذا هو حال المسلم مع الناس؛ مساعدة، وقضاء حوائج، ومواساة بالمال والنفس، وتقديم كل ما يستطيع.

ومن فوائد هذه الآية كذلك: جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال من غير محذور، فالمرأة لها حق في طلب المساعدة ممن هو أهل للمسؤولية وممن عرف بالصلاح والتقوى.

وفي الآية كذلك، بيان كمال خلق المرأتين وسمو أدبهما، حيث إنهما لم تزاحما الرجال بل قالتا: (لا نسقي حتى يُصدر الرعاءُ)، وعدم مزاحمة المرأة للرجال هي من شيم أمهاتنا وجداتنا الذين تربوا على هذه الأخلاق العالية، فالمرأة لها حق العمل، ولها حق المساعدة، ولها حق أن تتولى الأماكن المرموقة وكل ذلك يكون وفق الضوابط الشرعية التي وضعتها لنا شريعتنا الغراء.

كذلك من فوائد هذا الموقف أن الرحمة بالخلق والإحسان على من تعرف ومن لا تعرف من أخلاق الأنبياء، لقوله (فسقى لهما) غير طالب منهما الأجر ولا له قصد غير وجه الله تعالى هكذا يكون العمل التطوعي، يكون خالصاً لله عز وجل، ليس فيه طمع لما في أيدي الناس.

والإخلاص لله تعالى يكون بالتخلص من حظوظ النفس، فإنه لا يجتمع الإخلاص في القلب وحب المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلّا كما يجتمع الماء والنار، فتحقيق الإخلاص لله تعالى يكون في كل العبادات، والابتعاد والحذر عن كل ما يضاد الإخلاص وينافيه، كالرياء والسمعة والعجب ونحو ذلك هو من كماله.

ورحم الله أحد العلماء إذ يقول: «وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلّا، فإنه ما أُتىَ على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك».

ومن فوائد عمل موسى عليه السلام الصبر عند سقي الأغنام، لا سيما أن عملية سقي الأغنام مع زحام الناس على الماء تحتاج إلى صبر، فهكذا المتطوع يجب عليه أن يتحلى بالصبر والحلم والتروي في كل المواقف التي تصادفه في سبيل العمل التطوعي.

حيث إنه معرض للتعامل مع شريحة كبيرة في المجتمع متباينة الطبع والمزاج، ومعرض كذلك لأعمال قد لا يرغب بها ولكنها واجبة عليه من أجل أن يطور مهاراته، فالعمل التطوعي هو ذلك الجهد أو الوقت أو المال الذي يبذله الإنسان بصفة اختيارية وأحيانا إجبارية في خدمة مجتمعه دون انتظار عائد مادي والهدف منه هو تطوير المجتمع بصورة فردية أو جماعية، ويقوم بصفة رئيسية على الرغبة والدافع الذاتي وكل ذلك يحتاج إلى صبر.

ومن فوائد هذه الآية إيثار موسى عليه السلام، فقد آثر المساعدة على الراحة مع أنه كان محتاجاً لها من عناء سفره.

إن أعظم نموذج في الإيثار هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو سيدُ المؤثرين وقائدُهم وقدوتهم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات