الانتصار على النفس أشد من التغلب على العدو

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة.

فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

انتصر المسلمون يوم بدر على أعدائهم نصراً مؤزراً ما كان أحد يتوقعه، فقريش منَّتهم أنفسهم الأماني وغرهم بالله الغرور، فكانت ترى أنها منصورة لا محالة بقانون السببية العادي، فهي الأكثر عدداً وعدة، وكانت خطتها أن تظهر على المسلمين، وقالوا قولتهم المشهورة:

«لن نرجع حتى نرد بدرا، فننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتضرب على رؤوسنا القِينات، حتى تعلم العرب أنا الناس» ومناهم الشيطان وقال لهم: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} وكما قال حسان رضي الله عنه:

دلاَّهمُ بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن والاه غرارُ

وقال إني لكم جار فأوردهم شر الموارد فيه الخزي والعار

فلم ينتصروا بل كان أن من أمرهم أن أخزاهم الله شر خزي، فكسرت شوكتهم بقتل 70 من صناديدهم وأسر الباقين، فلم ينتفعوا بشيء من العوامل العادية.

الانتصار على النفس

لكنِ المسلمون لما انتصروا على أنفسهم بالتسليم لله ورسوله، فلم يقفوا عند حدود المعاهدة من النصرة في حدود المدينة فقط، لأنهم قد أصبحوا من جنود الإسلام، فهم على استعداد للتضحية من أجله في كل زمان ومكان وعلى كل حال، ولم يقفوا عند حدود الماديات، لعلمهم أن الفاعل هو الله تعالى، وقد وعدهم إحدى الطائفتين، فأياً ما نالوا، فهم منصورون، فلم تكن النفس المثبطة التي تود غير ذات الشوكة حاملة لهم أن لا يخوضوا الوغى؛ لما هم عليه من قلة عدد وعدة، بل كل منهم استبسل وثبت وعبَّر عن استعداده لنصرة الله ورسوله بما سر الله ورسوله.

مواقف

فقد قام أبو بكر رضي الله عنه فقال أحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: «يا رسول الله، امض لما أمرت به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

{اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له، ثم قال: «أشيروا علي أيها الناس» وإنما يريد الأنصار، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد بن معاذ رضي الله عنه: والله لكأنك يا رسول الله تريدنا؟ قال: «أجل» قال سعد:

فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدا، إنا لصُبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «سيروا وأبشروا، فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن مصارع القوم».

وعد الأنبياء

هكذا انتصروا على أنفسهم فثبتوا ونصرهم الله نصرا عزيزا، كما وعد الأنبياء والصالحين، ووعدُ الله لا يخلف.

وقد كان من عوامل الانتصار؛ الانتصارُ على النفس بالصيام الذي فيه كبح لجماحها، ومنع لها من شهواتها، فكانوا صادقين مع الله بحسن الإرادة وكامل التوكل، ومع أنفسهم بعدم طاعتها في الجبن والخور؛ لأن ذلك هو الإلقاء بها التهلكة كما قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والانتصار على النفس يكون بمخالفة أهوائها الشريرة، فإن كثيرا من النفوس تأمر بالسوء والفحشاء والمنكر، فإن خالفها المرء فاز ونجا كما قال البوصيري:

والنفس كالطفل إن تهملهُ شبَّ على حب الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطمِ

فاصرف هواها وحاذر أن تولِّيه إن الهوى ما تولَّى يُصمِ أو يصم

وشهر رمضان هو الزمان المناسب جداً لإصلاح النفس وتزكيتها بالأخلاق العلية، فمن لم ينتصر عليها فيه لم يفلح في غيره ولذلك ورد التحذير من عدم اغتنامه بالمغفرة.

 

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات