التعاون على البر والإحسان شعار العلاقات في رمضان

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

البر اسم جامع لكل خير، مما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، وقد عدد الله جملة من أنواع البر الذي يحبه من عباده كما في قوله سبحانه: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، فهذا جانب كبير من وجوه البر الذي يحبه الله ويرضاه،.

وتُعد هذه الخلال من جواهر الإيمان، وهي تتأتى فرادى وجماعة، فإذا أداها الإنسان منفردا لم تقع موقعها من النفع، وإذا أداها مع غيره كان النفع متعديا وشاملا، وخير العمل ما عم نفعه وكثر خيره، لذلك نجد الله تعالى يأمر بالتعاون على الخيرات والتناهي عن المنكرات كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فالتعاون على البر هو منهج المسلم في كل حياته؛ لأنه مسالم للكون كله، ويسعى لإصلاحه ولا يُعنى بالفساد فيه، فهو يجد قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، فيجده أمرا صريحا واضحا فيسعى لتطبيقه بجده واجتهاده؛ لأنه بذلك يحقق التكامل الإسلامي بين أفراد المجتمع، وبه تبنى الأوطان.

وتحمى الأديان، ويأمن الإنسان، وذلك هو بغية كل واحد، فإنه لا يمكن لأحد أن يعيش منفردا، ولا يمكن أن يتحقق له مراده من سعادة ورخاء إلا بجعل يده في يد أخيه المسلم والإنسان حتى يحصل التكامل؛ لأن الناس كلهم في مضمار الخير وميدانه يتنافسون فيه ويسابقون إليه.

فمن أسهم معهم فيه فإنه يكون قد سعى لإنجاح مسيرة الخير، لا سيما في عام الخير الذي دعا إليه رئيس الدولة ونائبه وفقهم الله وأعانهم على كل خير؛ لإشراك الناس فيما يحبونه من الخير، حتى يكون الخير سِمة المجتمع الإماراتي كله.

وبذلك يفضل على غيره من سائر البلدان، فاقتضى أن يكون لكل إنسان برنامج عمل يحقق فيه الخيرية التي وصفه الله بها بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.

ويتعين ذلك أكثر فأكثر في شهر الخير وهو شهر رمضان الذي هو موسم الخيرات، وموسم الطاعات وموسم التنافس في القربات؛ لما يجده المرء فيه من جزيل الهبات من رب الأرض والسموات، وأجلُّ ذلك نفع المؤمنين والمؤمنات، من وجوه القربات.

ويكون التعاون فيه على ما يصلح الدين والدنيا، فالتعاون بالدين بإعانة الصائمين على أداء فريضتهم من مساعدتهم بما يحتاجون من طعام وشراب، سواء في الإفطار والعشاء أو السحور، وكثير من الناس بحمد الله يفطِّر الصائمين طلبا لنيل أجرهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:

«من فطر صائما، كتب له مثل أجره، إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء»، وجاء في حديث سلمان رضي الله عنه: «يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن، أو تمر، أو شربة ماء» لأن ذلك مجهوده وطاقته، والله تعالى يعطي عبده على قدر نيته لا على قدر عطائه.

كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبق درهم مائة ألف درهم» قالوا: وكيف؟ قال: «كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها».

إلا أن الكثير ينسى ما يعين الصائم على الصيام لاسيما مع طول النهار وشدة الحر، فالفطور لا يسد جوعته، ولا يعينه على صيام يوم غده، فهو يحتاج إلى عشاء يشبع به، ولذلك ورد في الحديث النص على إشباعه «ومن أشبع صائما كان له مغفرة لذنوبه، وسقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا حتى يدخل الجنة.

وكان له مثل أجره من غير أن يُنقص من أجره شيئا» وهذا الإشباع يكون للعشاء وللسحور، حيث لا يقدر أن يصوم على وجبة الفطور الخفيفة التي كثيرا ما تكون بين الأذان والإقامة في دقائق معدودة، فلا يكاد ينتهي من تُميراته وشرابه فضلا عن العيش ونحوه.

 

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات