رمضان شهر التواصل وتوثيق العلاقات مع الأرحام

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

الجود صفة عظيمة وخلق كريم، ومعناه كثرة العطاء والبذل للمحتاج وغيره، وقد وصِف به الله عز وجل كما في الحديث الشريف عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول: إني جواد ماجد واجد»، وعنه رضي الله عنه في الحديث القدسي العظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«يقول الله: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيتُ فاستغفروني أغفر لكم، من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، فسألني بقدرتي غفرت له ولا أبالي، وكلكم ضال إلا من هديت، فادعوني أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فسلوني أرزقكم.

ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي، لم ينقص ذلك من ملكي جناح بعوضة، ولو اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي لم يزد ذلك في ملكي جناح بعوضة، ولو أن حيكم وميتكم.

وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فسألوني، كل سائل منهم ما بلغت أمنيته، لأعطيت كل سائل منهم ما سألني، ما نقصني ذلك إلا كما لو أن أحدكم على شفة البحر، فغمس فيه إبرة، ثم انتزعها، وذلك أني جواد كريم، ماجد واجد، أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، وأمري للشيء إذا أردته أن أقول: كن، فيكون».

وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أجود الأجودين».

وجاء عنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل جواد كريم يستحيي من العبد المسلم إذا دعاه أن يرد يديه صفرا ليس فيهما شيء»

وقد أمر الله بالإنفاق والجود قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}1، وقال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وقد ذكر أهل العلم أنه - سبحانه- يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة كما في يوم عرفة، ويوم النحر، وعشر ذي الحجة، وغيرها من مواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.

وجاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله يقول: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود»

ومنها استدل العلماء على تسمية الله تعالى بالجواد؛ ذلك لأن أسماءه سبحانه وتعالى توقيفية، فلا يسمى ولا يوصف إلا بما سمى أو وصف به نفسه سبحانه وتعالى.

وصفات جماله سبحانه وكماله ينبغي التخلق بها؛ لأنه سبحانه يحب مكارم الأخلاق، وقد كان سيد المتحلِّين بهذا الخلق العظيم هو سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس»

ومع ما كان عليه من الجود عموما حتى أنه ما سئل عن شيئ قط فقال «لا» كما رواه جابر رضي الله عنه، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قد كان له في هذا الشهر الكريم شأنٌ آخر من الجود كما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس.

وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسلة»

فهذا جود خاص في شهر رمضان لعظيم المناسبة، حيث إنه الشهر الذي أُوحي إليه فيه، ونُبِّئَ فيه، وأنزل عليه القرآن فيه، وكل ذلك يقتضي مزيد الشكر لله تعالى، كما كان من حاله صلى الله عليه وسلم عند استذكار النعم، كما روى الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا»

وإذا كان صلى الله عليه وسلم أسوتَنا في كل شيء، فإن المتعين علينا أن نكون كذلك في هذا الشهر الكريم على وجه الخصوص وفي سائر الأحوال.

 

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات