لشهر رمضان فضائل عظيمة لا توازى به الفضائل في سائر الشهور كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث كثيرة؛ منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال، لم تعطها أمة قبلهم:

خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا – أو حين يفطروا – ويصفَّد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره.

ويُزين الله عز وجل في كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصيروا إليك.

ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكنَّ العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله».

فهذه فضائل عظيمة لا توجد في غيره من سائر الشهور، فمن أدرك شهر رمضان فصامه إيمانا واحتسابا فقد أدرك كل هذا الفضل، وزيادة عليه أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه كما بينه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه».

ومعنى إيمانا أي تصديقا بوعد الله للصائمين بعظيم الأجر، الذي أعده لهم بما لا يدخل تحت عد ولا حساب.

واحتسابا أي احتساب ذلك الأجر عند الله تعالى، الذي لا تضيع الحسنات عنده سبحانه، فهو سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عظيم منزلة هذا الشهر عند الله تعالى فقال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر»

فهو شهر يكفر الله به الذنوب، ويمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ولذلك سمي رمضانا؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحطها عن الصائم.

ومن جزيل خصائصه أن الله تعالى يعين الصائم على صيامه والتقرب فيه إلى مولاه فيذهب عنه رجز الشيطان وبغيه ووسوسته عليه؛ لأنه هو العدو الأول للإنسان في الإغواء والإضلال، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين».

وقال عليه الصلاة والسلام:«إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنان، فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار»، فما على المسلم إلا أن يشمر عن ساعد الجد بالعبادة والإقبال على الله حتى يكون من عتقائه والفائزين فيه برضوان الله تعالى.

وقد يقول قائل بأن كثيرا من الناس يقع في حبائل الشيطان وفتنته في هذا الشهر، فكيف يتفق ذلك مع تصفيد الشياطين وسلسلتهم؟

والجواب أن الشياطين تصفَّد حقا، وأبواب النيران تغلق حقا، ولكن ذلك للصائمين الذين صانوا صيامهم عن اللغو والرفث، وكانوا مراقبين لله تعالى في صومهم، كما بين صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين» وفي حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جُنَّة من النار، كَجُنَّة أحدكم من القتال» وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصوم جُنَّة، ما لم يخرقها» أي بالغيبة ونحوها

فالصائم الذي يصون صومه عن المحارم، بمجاهدة نفسه ومراقبة ربه سبحانه هو الذي يكون في حماية الله من الشيطان، وفي حرز حريز من النيران، وإلا لم يكن له من صومه إلا الجوع والعطش كما بينه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُب صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائمٍ حظه من قيامه السهر».

رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن.. هذه المعاني الجليلة هي الثمرات المرجوة بأن يخرج بها المسلم من مدرسة الشهر الفضيل، بعد أن تهيأ لاستقباله كما تتهيأ النفس لاستقبال أعز غائب يتنظر.

ومنذ دخول هذه المدرسة الكريمة على الصائم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، فكذلك فيه تهيئة للنفس لتطهيرها من رذائل المعاصي، بالعزم على البعد عنها وسلوك الاستقامة فيه حتى لا يكون فيه المرء من الغافلين، وهذه النية الصالحة تجعل من يتلبس بها كأنه مؤدياً لعبادة الصيام إن أدركه الموت أو العذر، فإن نية المؤمن خير من عمله.

* مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي