عبير نعمة: اقتفيت أثر «المتنبي» في أبوظبي

صورة

فاجأت عبير نعمة جمهور معرض أبو ظبي الدولي للكتاب، باقتفائها أثر المتنبي، الشاعر العربي الذي كرمه المعرض في دورته الحالية، وقدمت عبير أشعاره في حفل افتتاحه.

في جعبتها الكثير من المشاريع، لا تبدأ بـ «اثنوفوليا» البرنامج التي أطلقته قبل سنتين وعرضته قناة الميادين، ويختص بموسيقا الشعوب، والذي تعتبره أكبر مغامرات حياتها، ووثقت فيه أنماطاً موسيقية مهددة بالانقراض، إلى مشروع جديد يجمعها بمارسيل خليفة ومحمود درويش، دون أن تفصح عن تفاصيل أخرى، إلى ألبومها الخاص الذي سيتوجه للجمهور الكبير، دون أن يكون رائجاً، وفي الوقت نفسه له وزن من حيث القيمة الفنية والشعرية، دون أن يكون «نخبوياً». «أرى» استرقت اللحظات الأخيرة قبيل سفرها من أبو ظبي إلى بيروت، وصورتها في فندق Hayat Capital Gate، المبنى الأيقوني الأكثر ميلاناً في العالم، وكان هذا الحوار.

معروف عن عبير نعمة انتماؤها إلى بيت موسيقي، فإلى أي حد يلعب البيت الموسيقي دوراً في تنشئة موسيقي حقيقي؟
لقد تعلمت في المنزل، وبالتحديد من والدي، حب الموسيقا. كنت في التاسعة من العمر عندما كنت أؤدي أغاني أسمهان، وهذا خصوصاً بفضل تأثير والدي. كانت الموسيقا جزءاً من ثقافة العائلة وحياتها، وكانت تلك الألحان وما زالت تشكل رابطاً بين أفراد عائلتي المؤلفة من 11 شخصاً، يتقن معظمهم العزف والغناء، إضافة بالطبع إلى رابط المحبة الذي تأتي منه كل موسيقا وكل ما هو جميل.

عرفك الجمهور التجاري - إن جاز لنا التعبير - في برنامج سوبر ستار، لكنك غبت عن الساحة لصالح نمط غنائي مختلف، وابتعدت عن معادلة الجمهور عايز كده، هل كان هذا ليتغير في حال كنت الفائزة بلقب سوبر ستار حينها؟
سوبر ستار كان محطة جميلة من حياتي دون شك، وقد فتحت أمامي هذه المحطة فرصاً وأبواباً خاصة على صعيد العالم العربي، إلا أنني اليوم أشعر أنني في مكان آخر تماماً، أقدم فني النابع عن اختبارات إنسانية عميقة. أنا انسحبت من البرنامج مع وصولي إلى المرحلة النهائية لأسباب شخصية، وبكل صراحة، وبعد مرور كل هذه السنوات، بت على ثقة الآن بأن برامج تلفزيون الواقع أو برامج المواهب ذات الإنتاج الضخم، تكون في غالب الأحيان شهراً ثم تختفي من بعدها المواهب، لأنه بالنسبة لعالم الإعلام، البرنامج هو النجم، وليس الفنان، وأولوية الاستمرار يجب أن تكون للبرنامج، وليس للفنان، وبالتالي، أنا أعتقد أن الشهرة الحقيقية والنجومية لن تكون إلا نتيجة الفن الذي يقدمه الإنسان، بغض النظر عن البرنامج.

كيف بدأت فكرة مشروع «إثنوفيليا» ومتى سيرى النور، وكم استغرق منك هذا المشروع من جهد ووقت؟
إثنوفيليا هو اسم البرنامج التي أطلقته قبل سنتين، وعرضته قناة الميادين. هذا البرنامج الذي يختص بموسيقا الشعوب، هو من أكبر المغامرات الموسيقية في حياتي. قادني إلى أقصى أقاصي الأرض بحثاً عن أغاني الشعوب وموسيقاها وأنماطها التعبيرية. أقوم بهذا البرنامج الذي أنهي الآن تصوير موسمه الثاني، بزيارة البلدان والدول بحثاً عن موسيقا الشعوب والأنماط التعبيرية التقليدية التي غالباً ما تكون مهددة بالانقراض. من خلال البرنامج نقوم بتوثيق هذه الأنماط، وأقوم أنا شخصياً بأداء الموسيقا التقليدية برفقة الفنانين التقليديين. إنه شعور إنساني لا يوصف. في هذا الترابط الفني الذي أعيشه مع فنانين غالباً ما يكونون مجهولين تماماً بالنسبة لي قبل الإعداد للحلقة، هو بحد ذاته غنى لحياتي ولفني، وآمل أن أنقل ذلك الشعور إلى المشاهد.

في عملك لتوثيق موسيقا الشعوب «إثنوفوليا»، تؤدين أغنيات الشعوب بأكثر من 20 لغة، هل هي محاولة لتقريب الموسيقا إلى العالم العربي أو تقديمه بروح شرقية، ولماذا اخترت أن تغني أنت هذه الأغنيات؟
أغني الآن بأكثر من عشرين لغة، وقد اكتسبت تقنيات الغناء بالأنماط التقليدية لشعوب في أوروبا وآسيا وأفريقيا وإيران والمغرب العربي والمشرق والجزر المتوسطية وأماكن أخرى. يقول لي أحد الأصدقاء إنني أصبحت متحفاً حياً، لأنني أختزن كل هذا الإرث الإنساني، ليس في كتب أو حلقات تلفزيونية فحسب، بل في ذاتي وفي مهاراتي الغنائية والموسيقية. إن ذلك يسعدني كثيراً، وأنا آمل أنني سأعمل على الذهاب أبعد في هذا الاتجاه.

قدمت عملاً موسيقياً خصيصاً لمعرض أبو ظبي الدولي للكتاب بعنوان «المتنبي... مسافراً أبداً»، ما ظروف إنتاج هذا العمل، وكيف تم اختيار القصائد المغناة لهذا العمل تحديداً؟
عمل «المتنبي... مسافراً أبداً» كان محطة افتخر بها في حياتي المهنية، وقد عززت هذه المحطة العلاقة مع دولة الإمارات ومع هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة التي أدرجت العمل في إطار فعاليات معرض أبو ظبي الدولي للكتاب، اعتباراً من نهاية أبريل. العمل هو رحلة موسيقية مع أبو الطيب المتنبي، أعظم شعراء العرب، عبر التاريخ والجغرافيا، في المناطق التي شملتها رحلات المتنبي التاريخية. اقتفينا أثر المتنبي لنغني قصائده ممزوجة بموسيقا شعوب المناطق التي مر بها في رحلاته اللامتناهية التي كانت يبحث من خلالها دائماً عن الأمير العادل الذي يحكم إلى جانبه بسطوة الكلمة. تضمن العرض ثلاثة أعمال موسيقية ضخمة، استخدمت أو استوحت قصائد المتنبي، وتم تنفيذها مع الأوركسترا السمفونية البلغارية، وهي أعمال شاركت شخصياً في تلحينها مع شقيقي جورج نعمة والصديق وسام كيروز، فيما وزع الأعمال مارك أبونعوم وجورج نعمة.

غنيت «المتنبي... مسافراً أبداً» بحضور فنان العرب محمد عبده، ماذا كان رأيه في العمل، وهل سنشهد تعاوناً موسيقياً بين عبير نعمة ومحمد عبده؟
شرفني محمد عبده بحضور عرض «المتنبي.. مسافراً أبداً»، وقد عبر لي عن محبته وإعجابه بفني، وهذا بالطبع يفرحني ويشرفني، وإذا حصل تعاون بيننا، فهذا سيكون من دواعي السرور بالنسبة لي، لا سيما أن محمد عبده أيقونة حقيقية في منطقة الخليج وفي العالم العربي عموماً.

سبق وأخبرتنا عن تحضيرات لألبوم جديد مختلف، يأتي السؤال، لماذا تأخر ألبوم عبير نعمة، وما الذي ستقدمه عبير في هذا الألبوم؟
أنا بالفعل أعمل بجدية على ألبومي الجديد، وهو سيكون عملاً موجهاً للجمهور الكبير، دون أن يكون من النمط الرائج، وسيكون له وزن من حيث قيمته الفنية والشعرية، دون أن يكون عملاً «نخبوياً». أستطيع أن أقول إنني سأكون مشاركة بقوة في التلحين، وأن التنفيذ سيكون ضخماً، وبمشاركة أوركسترا سيمفونية.

سبق وغنيت مع العديد من أبطال الموسيقا الملتزمة - إن جاز لنا القول - كشربل روحانا في ألبوم خطيرة، هل من شراكات جديدة مع مغامرات أخرى؟
أنا أحضر لعمل مشترك جديد مع الفنان الكبير مارسيل خليفة، عمل موسيقي شعري فريد من كلمات محمود درويش. سأكتفي بهذا القدر من المعلومات حتى الآن.

هل تجدين الخيارات الموسيقية في مأزق هذه الأيام، أم أن الجمهور تواق لمثل هذا النوع من الموسيقا والخيارات الموسيقية الحقيقة - وهذا ما يلاحظ في الحفلات - أم أن هنالك مشكلة في الإعلام الذي يروج الرداءة بكافة أشكالها ويهضم حق الحقيقي؟
أعتقد أن الفنان يجب أن يقدم فناً صادقاً وجدياً، عفوياً ومحترفاً في نفس الوقت. أنا لا أحكم على ما يقدمه غيري، بل أركز على أن أقدم فناً يقدم رؤتي للموسيقا، وهي رؤية غير أنانية أو متكبرة، بل رؤية أشكلها في اختباراتي الموسيقية مع الأصدقاء ومع زوجي جوليو عيد الذي يرافقني في كل خطوة. بالطبع، الذي يقدم للمستمع العربي اليوم بغالبيته أعتبره ضحلاً ويركز على الترفيه، ولا أعتقد أن «الجمهور عايز كده»، بل أعتقد أن الجمهور العربي مثقف وقادر على تلقي الفن الجميل.

إلى أي حد يلعب وجود مؤسسات تتبنى خيارات موسيقية حقيقة، مثل مهرجان أبو ظبي الذي أنتج ألبوم مكادي نحاس (نور)، وألبوم هبة قواس، وهيئة أبو ظبي للثقافة والسياحة في إنتاج ألبوم «المتنبي» في دعم الخيارات الموسيقية؟
إن الأشخاص أو الجهات التي تملك القدرة المالية هي قادرة على تغيير المشهد الفني في العالم العربي. وأنا أؤمن بأنه بالإمكان جني الأرباح من خلال الفن الجيد، والفن الجيد والراقي لا يعني بالضرورة قاعة مع مئتي متفرج. أشعر برغبة إثبات ذلك للمجتمع.

هل الموسيقا الملتزمة والخيارات الفنية الحقيقية في ورطة هذه الأيام؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المنعطف - إن كان في الموضوع أزمة؟
الأزمة الفنية نابعة عن أزمة أعمق، هي أزمة الإنسان العربي اقتصادياً وأمنياً وثقافياً وأخلاقياً. الفن لا يفصل عن باقي فصول الحياة. أؤمن أن الموسيقا يمكن أن تحدث تغييراً حقيقياً في المجتمع، وتكون عاملاً يقود التغيير في المجتمع. كما أعتقد أنه لو أعطينا الأطفال في شوارع عالمنا العربي آلات موسيقية بدلاً من رشاشات كلاشنيكوف، فسنكون بهذه الطريقة نبني مستقبلاً أفضل.


 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon