«البرنوس» كاد أن يندثر قبل تطويره على أيدي المصمِّمين

الزي التقليدي التونسي في حماية الاهتمام الرسمي

يتميز اللباس التقليدي التونسي بتنوعه وتفرده عن غيره من الألبسة،و ذلك نتيجة تأثره بالفنين الأندلسي والتركي معاً، فجاء إثر اقتباس وتطويع مع الروح التونسية بتركيبة جمالية متناغمة أهلته لأن يتميز عن الألبسة التقليدية المغاربية الأخرى.

ويحظى قطاع الصناعات التقليدية باهتمام رسمي هدفه رد الاعتبار إلى هذا القطاع الذي كادت معالمه أن تندثربسبب رغبة التونسيين بصفة عامة في التشبه باللباس الأوروبي متجاهلين تراثهم وحضارتهم التي بناها الأجداد منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وتمثلت عملية رد الاعتبار بإعادة هيكلة الديوان الوطني للصناعات التقليدية واتخاذ إجراءات خاصة بالتشجيع المالي كالإعفاء او التخفيض من بعض الرسوم وإحياء المجلس الوطني للصناعات التقليدية.

وكان استحداث يوم وطني للصناعات التقليدية واللباس الوطني في 16 مارس من كل عام من أهم القرارات التي أبرزت اهتمام الدولة بتطوير وتنشيط هذا القطاع، وقد اتخذ هذا القرارفي العام 1991، ومن حيثياته ارتداء الزي التقليدي في الأعياد الدينية والمناسبات الرسمية في الدوائر الحكومية كتقليد سنوي أدى إلى مصالحة التونسيين مع منتجاتهم التقليدية.

يتميز اللباس التقليدي الخاص بالرجل بتنوعه وثرائه واختلافه من جهة إلى اخرى، وهو يتكون من قطعتين أساسيتين «الجبة» وهي ثوب مفصل ومخيط، و«البرنوس» وهو الرداء الشتوي الذي يوضع عادة فوق «الجبة» على الكتفين، ويشبه العباءة في تفصيله يتميز بالاتساع ليغطي الجسم بأكمله وفيه شق من الأمام.

ويعرف الزي التقليدي أكثرما يعرف في مناطق الجنوب التونسي إذ اختلف المؤرخون حول مصدره الحقيقي، فمنهم من ينسبه إلى البربر الذين سكنوا الجزائر وجزءاً من تونس، ومنهم من ينسبه إلى الأتراك، ولكن يعتبر الافتراض الأول هو الأصح باعتبار ان «البرنوس» مازال يستعمل بقوة في الجزائر والمغرب وليبيا، ولكنه يختلف باختلاف الجهات من ناحية طوله ولونه، إلا أنه في المجمل لباس واحد مع بعض الاختلافات البسيطة.

وفي تونس يوجد نوعان من «البرنوس» حدثنا عنهما «البرانسي» محسن الخضاري، ويطلق لقب» برانسي» على كل من يحترف مهنة حياكة اللباس التقليدي الرجالي التونسي، يقول محسن: «يوجد في تونس نوعان معروفان من البرنوس هما البرنوس الوبري الذي يصنع من وبر الإبل وهو أغلى الأنواع يصل سعر الواحد منه إلى 1500 دولار تقريبا لأن تجميع الوبر الذي يكفي برنوسا واحدا يتم على عدة أعوام تصل إلى خمس سنوات، ويتميز البرنوس الوبري بأنه يقي من المطر وكلما خف وزنه غلا ثمنه، وتشتهر صناعته في الجزائر وأحيانا يضطر التونسيون إلى استيراد وبره من الجزائر لندرته في تونس.

والنوع الثاني هو البرنوس الصوفي أو «الجريدي» نسبة إلى مدينة الجريد التونسية الواقعة في الجنوب، والتي تشتهر بهذه الصناعة منذ القدم ويصنع من صوف الأغنام وتتراوح أسعاره من 250 إلى 450 دولارا».

وعن سبب تراجع ارتدائه لدى الجيل الحالي يعلق «البرانسي» مختار الشعار بقوله: «ورثت هذه المهنة عن أبي الذي ورثها بدوره عن جده وعلمتها لأولادي حتى لا تضيع مع الزمن، والعولمة هي السبب في اندثار المنتج التونسي لدى أبناء الجيل الحالي الذين لا يعرفون قيمته الجمالية والشكلية، وقد شنت الكليبات الغربية والعربية الحرب على أي لباس تقليدي في العالم العربي وحتى الغربي ولم نعد نرى البرنوس إلا في المناسبات الرسمية وفي الاحتفالات السنوية بالأعياد الدينية أو الوطنية التي أقرها رئيس الجمهورية، ربما هذا الحضور أنقذ اللباس التقليدي من الاندثار التام، إلا أنني أتمنى أن نقلد مواطني دول الخليج العربي في تمسكهم بلباسهم التقليدي حتى في الأيام العادية، وهم لم يستعملوا اللباس الأوروبي على حساب لباسهم التقليدي وظلوا متمسكين به كجزء لا يتجزأ من عاداتهم وتقاليدهم».

وعن مراحل تصنيع البرنوس أفادنا» البرانسي» محمد البرهومي بقوله: «في البداية نقوم بتجميع كمية الصوف أو الوبر التي يصنع منها البرنوس بعد ذلك نقوم بحياكته بحيث يصبح كالرداء الغليظ حتى يقي لابسه من البرد والمطر وتختلف الوان البرنوس بحسب المناسبة فالأبيض يخصص عادة لحفلات الأفراح والأعياد، أما الرمادي والبني والأحمر فيخصص للاستعمال اليومي، وقد نشطت صناعة البرنوس في السنوات الأخيرة بعد أن شارفت على الاندثار نتيجة تأثر التونسيين باللباس الغربي، إلا أنه عاد للظهورفي الأفراح والمناسبات ولقد أصبح عدد كبير من العائلات العريقة يعتمده في المناسبات خاصة بعد أن تطور على أيدي بعض مصممي الأزياء وأصبح يحاكي العصر بتطريز أنيق من الحرير وبخيوط من قماش «القمراية» كمزيج بين الماضي والحاضر.

وعادة ما يتم ارتداء البرنوس في فصل الشتاء بحكم حجمه وقماشه، إلا أنه في السنوات الأخيرة أصبح يستعمل في كل الفصول، ويختلف نوع القماش مع اختلاف الفصل، والبرنوس الأبيض الأكثر رواجاً بحكم فخامته وجمال شكله «.

ويوضح البرهومي أخيرا: «يعتبرالبرنوس لباساً خاصاً بالرجل فقط، أما المرأة فتمتلك عدة أنواع من الثياب التقليدية التي تختلف أيضا باختلاف الجهات مثل «الجبة العكري «وهي عبارة عن ثوب نسائي تلبسه العروس، فخم ومتقن الصنع ومطرز بشكل جميل حول الرقبة والأكمام.

وهناك «الفرملة» وهي لباس فوقي يخاط بالقطن أو بالصوف ويكون قصير الأكمام ومزركشا بطوق من الخيوط الذهبية في شكل أزهار وفراشات وأوراق، وهناك أخيرا «الجبة العصرية» وتتميز بالأناقة وبالزخارف الذهبية أو الفضية حسب لون القماش، ولا تستعمل لمناسبات بعينها، إلا أن اللباس التقليدي الخاص بالمرأة يعتبر الأكثر رواجاً في تونس باعتبار تعدد أشكاله وتطوره المستمر على أيدي مصممي الأزياء، خاصة بعد أن استحدثت مسابقة «الخمسة الذهبية» في سنة 1996 في تونس والتي أصبحت مسابقة رسمية تحث المصممين على الابتكار والتجديد في اللباس التقليدي التونسي».

تونس ـ ضحى السعفي:

طباعة
comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

الأكثر شعبية

الفيديو الرياضي

تابعنا علي "فيس بوك"

اقرأ أيضا

اختيارات المحرر

  • «وادي ميزاب» المدينة المحصنة

    ميزاب هي واحة في وادي عميق، وضيق، تتألف من خمس مدن مسورة، وتقع داخل الصحراء على بعد حوالى 600 كلم من جنوب الجزائر العاصمة.

  • شجرة واحدة تنتج 40 صنفا من الفاكهة

    سام فان أكين، هو فنان وأستاذ في جامعة سيراكيوز في نيويورك، يستخدم تقنية "ترقيع الرقاقة chip grafting " لغرس أشجار تنتج 40 نوعاً مختلفاً من الفاكهة.

  • بالصور..مواطنة تجسم الماضي بابداعات فنية

    كل إنسان له ميول تستهويه فيبذل من أجلها الوقت والجهد، وآمنة أحمد الشهيرة بكنيتها «أم عبد اللطيف» أدخلتها هواية صنع المجسمات التي تحكي التراث وجمع العملات والمقتنيات القديمة عالماً آخر من المعرفة والثقافة والاطلاع على تراث بلادها..

  • بالصور..جبل حفيت بؤبؤ العين

    يعتبر جبل حفيت جزءاً من منظومة العين السياحية، بعدما وجه المغفور له -بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” بشق طريق إلى قمته ليستطيع الزائر أن يرى على امتداد البصر جل مدينة العين وسط نسمات من الهواء العليل.

  • «شلال يايتسا» يجذب الملايين إلى «مدينة الملوك»

    تقع مدينة يايتسا أو مدينة الملوك على بعد 160 كيلو متر غرب سراييفو وكانت عاصمة البوسنة في العهد الملكي قبل دخول الدولة العثمانية البلاد. وتتمتع بطبيعتها الخلابة من حيث الجبال الجميلة والهواء النفي والشلالات و البحيرات الصافية.