2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2005-07-18 11:05:21 UAE
  العصر الذهبي لروسيا
  تأليف :هيلين كارير دانكوس
 

مؤلفة هذا الكتاب هي السيدة هيلين كاري دانكوس عضوة الأكاديمية الفرنسية والمؤرخة المشهورة المختصة بدراسة الاتحاد السوفييتي والشؤون الروسية. وكانت قد نشرت سابقاً العديد من الكتب اللافتة للانتباه. نذكر من بينها: مجد الأمم، روسيا الظافرة، المصيبة الروسية، القيصر نقولا الثاني، لينين، روسيا التي لم تكتمل بعد، التحدي الكبير، ستالين: فرض النظام عن طريق الرعب... إلخ.


وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة عن إحدى أهم الشخصيات من تاريخ روسيا: الإمبراطورة كاترين الثانية ومعلوم أنها كانت من أصل ألماني وقد وصلت إلى روسيا وعمرها خمسة عشر عاماً، ومع ذلك فقد شاء القدر أن تصبح إمبراطورة روسيا مدة أربع وثلاثين سنة (1762 ـ 1796). وقد أكملت أعمال القيصر بطرس الكبير الذي حاول إدخال روسيا في الحداثة عن طريق تقليد أوروبا.


فقد نقل العلم الأوروبي، وكذلك التكنولوجيا والصناعة إلى روسيا التي كانت متأخرة كثيراً من هذه الناحية. وواصلت كاترين الثانية انجازاته واستطاعت أن تجعل من روسيا بلداً أوروبياً كبيراً بكل ما للكلمة من معنى. ثم تردف المؤلفة قائلة: فعدد سكان البلاد كان ثلاثين مليوناً عندما استلمت الحكم. ولكنه أصبح أربعة وأربعين مليوناً عندما غادرته. يضاف إلى ذلك أن كاترين الثانية كانت من عشاق اللغة الفرنسية وأتباع فلسفة التنوير. ولم تكن تحلف إلا بفولتير!.


ولذلك فقد ساهمت في إدخال الأفكار الحديثة إلى روسيا التي كانت منغلقة على نفسها من الناحية الفكرية، بل ومتزمتة دينياً. وقد خصصت المؤلفة لذلك فقرة كاملة بعنوان: كاترين الثانية صديقة الفلاسفة. وفيها تقول بما معناه: ان إمبراطورة روسيا مدينة للفلسفة الفرنسية باتساع معرفتها ونظراتها والهالة الكبيرة التي أحاطت بها بصفتها راعية للفكر والثقافة.


والواقع أن فلاسفة فرنسا الكبار آنذاك كانوا هم فلاسفة التنوير: أي ديدرو، دلامبير، فولتير، مونتسكيو، جان جاك روسو، الخ. وكانت تحبهم إلى أقصى الحدود وتقرأ كتبهم باستمرار، وبخاصة كتب فولتير الأقرب إلى قلبها. كانت تعتبر نفسها تلميذة لهم. وينبغي العلم بأن الفلاسفة كانوا يتمتعون بشهرة كبيرة في القرن الثامن عشر. ولذلك فإن الأباطرة والملوك كانوا يتنافسون على اجتذابهم إلى بلاطهم.


وكاترين كانت في طليعة هؤلاء الأباطرة فحبها للمطالعة والثقافة كان يلاحقها منذ نعومة أظفارها. ولذلك فما أن صعدت على سدة العرش حتى وجهت دعوة إلى الفيلسوف والعالم الفرنسي دلامبير لكي يزور روسيا. وترجته بأن يقبل بتعليم ابنها ولي العهد: بولس. وهذا شرف ما بعده شرف. يضاف إلى ذلك أنه كان يعني راتباً كبيراً.


ولكن دلامبير رفض الدعوة! وشعرت الإمبراطورة بالاهانة بسبب هذا الرفض. ولكنها ظلت تتراسل معه على مدار سنوات طويلة على الرغم من هذا الرفض. والواقع أن دلامبير كان مقرباً من فريدريك الثاني ملك بروسيا الذي خصص له راتباً، وبالتالي فلم يكن بإمكانه أن يتركه لكي يذهب إلى بلاط آخر هو: بلاط روسيا. هذا شيء لا يليق بالفكر الذي يحترم نفسه، ولكن كانت هناك أسباب أخرى أيضاً لهذا الرفض، وربما كانت هي الأهم، ومن بينها ان كاترين الثانية وصلت إلى الحكم عن طريق انقلاب أدى إلى مقتل زوجها بيير الثالث الذي كان إمبراطوراً.


وبالتالي فربما خاف دلامبير على نفسه من تقلبات الحكم في روسيا ومفاجآته، فالتي قتلت زوجها، أو تآمرت عليه قد تقتله هو أيضاً إذا لزم الأمر. أما جان جاك روسو فكان يقلق الإمبراطورة كاترين، ولم تكن موافقة على بعض أفكاره السياسية أو التربوية. ولكن عشيقها أورلاف كان يحبه كثيراً، ولذلك وجه له دعوة رسمية لزيارة سان بطرسبورغ عام 1765،


ولكنه رفضها هو الآخر لأسباب شتى، مهما يكن من أمر فإن هؤلاء الفلاسفة الذين كانوا ملاحقين في بلادهم من قبل لويس الخامس عشر والأصوليين شعروا بالفخر والاعتزاز لأن إمبراطورة كبيرة تهتم بهم إلى مثل هذا الحد، فالسلطة عادة تكره المثقفين. ولذلك أطلقوا عليها اسم المستبد المستنير مثلما أطلقوه على فريدريك الثاني ملك بروسيا، فهو أيضاً دعا فولتير إلى بلاطه وقبل الدعوة وبقي عنده فترة من الزمن، ولكن بروسيا كانت أقرب إلى الفرنسيين جغرافياً من روسيا.


ولم تكن في ذلك الزمان وسائل مواصلات حديثة، لكي يسافر الإنسان بسهولة من بلد إلى آخر.


إن هذه الدعوات تدل على مدى تعلق الإمبراطورة كاترين الثانية بالأفكار الجديدة الآتية من جهة أوروبا، وإذا كان الفلاسفة الكبار رفضوا دعوتها لأسباب شتى، فإن فلاسفة الدرجة الثانية أو الثالثة راحوا يتسابقون على بلاطها،


وبخاصة بعد أن سمعوا بكرمها الحاتمي، والواقع أنها كانت تغدق الأموال والجوائز على المثقفين، ولذلك سارع كازانوفا وبرناردان دوسان بيير إلى تلبية دعوتها، ثم لحقهما آخرون عديدون، والثاني هو مؤلف رواية: بول وفيرجينيا التي ترجمها إلى العربية مصطفى لطفي المنفلوطي. ولكن الشخص الأحب إلى قلبها، أي فولتير، لم يستطع تلبية الدعوة بسبب كبر سنه، فقد كان على وشك السبعين من العمر، واكتفى بمراسلتها عن بعد دون انقطاع حتى مات عن عمر طويل.


ومعلوم أن فولتير كان يحب كثيراً المستبدين المستنيرين ويكره المستبدين الظلاميين، على طريقة لويس الخامس عشر ملك فرنسا. ولذلك فإنه دافع عن كاترين الثانية عندما قامت بانقلاب على زوجها، وقال: مستبد عاقل خير من مستبد جاهل! ولكن الفيلسوف الذي استفاد من كاترين مادياً أكثر من غيره هو: ديدرو صاحب المشروع الكبير المدعو بالموسوعة الفلسفية،


فعندما سمعت الإمبراطورة بأن هذا المشروع يعاني من عراقيل ومضايقات كثيرة اقترحت على ديدرو ان تشتري له مكتبته بالسعر الذي يريده في الوقت الذي تظل في بيته! وهكذا قدمت له مبلغا ضخما دون أن يخسر مكتبته ثم خصصت له راتبا شهريا محترما بصفته أمين المكتبة.. ولم يعد يخشى على حياته أو حياة عائلته.


اما مع فولتير فقد تبادلت مئات الرسائل كما قلنا. وكان الفيلسوف يثني على اتقانها الرائع للغة الفرنسية.


وقد استفادت كاترين من هذه المراسلات اكثر من فولتير لانها كانت بحاجة الي الدعاية لحكمها وترسيخ نفسها كامبراطورة اوروبية كبيرة تتعاطى العلاقات مع اكبر المثقفين.


اما هو فكان غنيا جدا، وبالتالي فلم يكن بحاجة لهباتها المالية كما هو عليه الحال بالنسبة لديدرو ولكنها فعلت شيئا ادخل السرور الى قلب الفيلسوف الكبير: وهي انها ساعدت عائلة بروتستانتية كانت مضطهدة دينيا وتدعى: عائلة كالاس وبالتالي فاعتبرها راعية الفقراء والمضطهدين، والمعذبين في الأرض يضاف الى ذلك ان امبراطورة روسيا ضغطت على الكهنة المسيحيين وقلَّصت من صلاحياتهم وسيطرتهم على الشعب.


وبالتالي فإن فولتير راح يثني عليها لأنها تشجع التسامح الديني في بلادها وتحارب التعصب على عكس ملك فرنسا الذي يحيط نفسه بعتاة الأصوليين المعادين للحداثة والفكر الفلسفي. ولهذا السبب فان فولتير أهداها كتابه الشهير: فلسفة التاريخ. كما أهداها مقالاته العديدة التي كان ينشرها في موسوعة ديدرو. وكان يقول بما معناه: صحيح ان كاترين الثانية مستبدة كبقية الملوك والحكام في أوروبا.. ولكنها مستبدة مستنيرة تحترم الفلسفة والفلاسفة بل وتستلهم الافكار الجديدة في الحكم.


والواقع ان الديمقراطية كانت مستحيلة في ذلك الوقت، وفولتير كان يدرك جيدا، ان اوانها لم يحن بعد. فالشعب لم يكن مهيئا لها بسبب جهله وأميته وفقره واتباعه الأعمى لرجال الدين. وبالتالي فينبغي ان ننتظر فترة طويلة من الزمن لكي يتثقف الشعب ويرتفع مستواه ويصبح جاهزا للديمقراطية.


ينتج عن ذلك انه لا يحق لنا ان نعيب على كاترين استبدادها لأن ذلك كان أمرا محتوما واجباريا.


ولكن فولتير عندما كان يثني على أعمال امبراطورة روسيا يقول بأنها تتبع أفكار الفلاسفة في حكمها فانه كان يتبع سياسة: اياك أعني واسمعي يا جارة! والمقصود بذلك انه يلوم ملك فرنسا لأنه يحتقر الفلاسفة على عكس امبراطورة الروس. وبالتالي فان علاقة فولتير بكاترين كانت مبنية على المصلحة المتبادلة بقدر ما كانت مبنية على الاعجاب المتبادل.


ولهذا السبب فإن كاترين اشترت مكتبة فولتير بعد موته وتركتها له أو لورثته بالطبع. وكانت تريد بذلك أن تعبّر عن إعجابها بهذا الفيلسوف الكبير الذي حمل راية التنوير عالياً. ولكن الفيلسوف الذي استفاد كثيراً من هبات كاترين هو شخص من الدرجة الثانية يُدعى غريم.


فقد زارها في سانت بطرسبورغ وخصصت له راتباً محترماً وأصبح عميلاً لها في الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية.


ولكن فولتير لم يكن أبداً عميلاً بالمعنى والأجير الدنيء للكلمة. أما ديدرو فقد زارها وبقي عندها بضعة أشهر بين عامي 1773 ـ 1774. وكانت له معها محاورات متواصلة وغنية عن شؤون الحكم والفلسفة والحياة والفن والمجتمع.. إلخ.


وقدم لها الفيلسوف الكبير نصائح عدة من أجل إخراج شعبها من حالة البربرية إلى حالة التقدم والحضارة. وقال لها أن تبتدئ بالقاعدة لا بالقمة. فاستيراد كبار المثقفين والفلاسفة من الخارج لا يكفي. وإنما ينبغي رفع مستوى الشعب عن طريق تدريبه على الحرف والمهن المختلفة، ثم عن طريق تثقيفه وتعليمه وإخراجه من حالة الأمية.


وعلى الرغم من انتقادات ديدرو لمشاريع كاترين الثانية إلا أنها لم تحقد عليه ولم تقطع معونتها عنه. على العكس، لقد طالبت بمجيئه إلى روسيا ورحبت به أجمل ترحيب وخلعت عليه الهبات والأموال لسبب بسيط هو أنها كانت معجبة بعبقريته.


الكتاب :كاترين الثانية


العصر الذهبي لروسيا


الناشر: فايار ـ باريس 2005


الصفحات: 656 صفحة من القطع الكبير


Catherine II


UN AGE D'OR POUR


LA Russie


Helene CarrrereD'ENCAUSSE


Fayard - Paris 2005


P. 656

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010