2010-03-06 14:08:54 UAE
  حياة
  الخطوط والزخارف فنان بأنامل حرير
 
 

للطفولة والصبا ذكريات بألوان البهجة والفرح، تظل في القلوب والنفس، وترفض منطقة اللاشعور، حتى إذا ما صادفنا في مسيرتنا الحياتية ظلالاً رمادية.


في حجرتها جلست إلى عالمها المفضل ـ عالم الكمبيوتر ـ السحري، تكتب وتنقش الحروف، ولكنها انتبهت إلى إنها ليست كحروفها هي، في صندوقها البلاستيكي الملون حفنة من الأوراق الملونة بكل الألوان ومربوطة بشريط حريري أحمر، ومفكرات صغيرة دونت فيها تفاصيل أيامها، وهي مفكرات تعكس جمال الطفولة والصبا، مطبوع عليها زهور وورود وقلوب بكل لون، وخطابات صغيرة مجموعة بمشبك ملون، مثل المشبك الذي تجمع فيه شعرها الأسود في أعلى رأسها.تركت عالمها السحري، وأخذت تقلب في أوراقها الملونة، وانتبهت، كلمات وخطوط طفولية تكون الجملة تلو الأخرى، بعضها رسائل من الصديقات.


والآخر يوميات في حياتها، وغيرها أوراق من كراسة الأدب العربي والانجليزي، كل ما لفتها هو جماليات خطها الذي كتبته وقتذاك وتعلمته في مدرستها العريقة، التي كانت تفتخر بها دوماً. ومرة أخرى توقفت عند شيء قد ضاع ولم يعد، نعم، لم يعد، هو كل كلمة وسطر في كل لغة على صدى مكتوب بريشة خاصة سن عريض مثبت في ريشة ملونة، يغمس هذا السن في محبرة داخل تجويف الدرج الذي تجلس خلفه في الفصل الشاسع مساحة، قليل العدد من التلاميذ، وأما اللغة الانجليزية والألمانية وأيضاً الفرنسية فلها جميعها سن رفيع يثبت في ريشة أيضاً ملونة، خاضت في ذكريات الأجمل.


شريط الذكريات بدأ عندما تذكرت كيف كانت يوميا تنظف أسنان الريشة بقماشة قطنية صغيرة تتسلمها مع الريشة وأسنانها من مكتبة المدرسة، وقماشه صوفية لتنظيف الغطاء والنحاس الذي يغلق المحبرة، ورحلة الذكريات تنهمر كفيض ملون في عالم كان الإنسان فيه إنساناً. عشقت صغيرتنا حصص الخط، نعم، فقد كانت من مفردات الزمن الجميل الوقور حصص خاصة جداً تعرف باسم حصص الخط، الخط العربي والأجنبي المنحدر من أصل لاتيني، تنقسم الحصة التي تستمر لساعة ونصف الساعة لسماع نظريات مبسطة في فن الخط من مدرسة تعرف تماماً قيمة رسالتها لهؤلاء الصغار والنشء، والجزء الآخر من حصة الخط هو جزء عملي لكتابة الخط وتطبيق نظرياته. وغرقت في ذكريات طفولتها المتأخرة في مدرستها الراقية، وصوت من البعيد تذكرته عندما كانت «فراو روبير» المدرسة الشقراء الألمانية التي كانت متخصصة في تعليم الخط الألماني المستخدم فيه سن ريشة رفيع لابد من تنظيفه في نهاية كل حصة ومدة استخدامه لا تزيد عن ثلاث حصص فقط.


ماذا قالت مدرستها الشقراء القادمة من جبال الألب هذه، من بلاد الحضارة والرقي والجمال وقيمة الإنسان، قالت بالنص كما تذكرته الصبية: «الخط الذي نتعلمه هنا ليس فقط لتكوين كلمات وجمل، وإنما هو تعليم تعرجات الكلمة وكيفية حدوث تناغم فيما بينها وبين التي تليها.


وهذه التعرجات تكمن فيها جماليات الخط اليدوي هذا، الخط هو بداية فن الرسم والارتقاء بالنفس، والكتابة المتعرجة تحتاج لتركيز فائق، ومع الوقت وعلى مدار سنوات الدراسة جميعها يكون الطالب قد تعلم فنا نادرا جدا، هو فن الخط اليدوي بسن الريشة التي تغمس في محبرة نحاسية لامعة».


وماذا أيضاً؟


هناك الكثير والكثير، فالحروف والكلمات بسن الريشة هي عالم من الإبداع، واذا تعمقنا أكثر، نجد أن الخط اليدوي خضع للدراسة في كبرى جامعات العالم، وخضع أيضاً لمدى تأثيره على نسبة تركيز الصغار والكبار، ومدى ثبات أصابع اليد أثناء الكتابة التي تحفز الجهاز العصبي وتحفظه من الضعف أو الاهتزاز في مراحل متأخرة من العمر، يوضح الدكتور «دايفيد بووث» الخبير في ذكاء الأطفال .


ومتخصص في جراحة المخ والأعصاب بجامعة تورونتو في كندا بولاية تورونتو ـ يوضح أن تعلم الخط اليدوي بسن الريشة يعمل على زيادة الذكاء وتحفيز المخ على الابتكار وتنمية القدرات الفنية والعلمية معا لدى الصغار، حتى نهاية حياتهم، ومن جهة أخرى يحفز الذاكرة، فالكتابة المتأنية بسن رفيع.


فيما بين سطور مطبوعة بطريقة معينة في كراسة الخط، يعمل ذلك كله على عدم نسيان الكلمة ومعناها، لأن الخط اليدوي يحفز الذاكرة المرئية بصفة خاصة، ويساعد الطلبة على تركيز المواد الدراسية المختلفة، وربما من هنا ـ كما يقول د. «بووث» فإن درس تعلم الخط يكون دائماً في الحصة الأولى من اليوم الدراسي، لتعويد الطالب على تحفيز ذاكرته وقوة استيعابه.


ويقول دكتور «كارل وتيش» المتخصص في الطب النفسي بجامعة بون في ألمانيا ـ يقول، أن الخط يكون مميزاً، ولكنه غير متشابه من إنسان لآخر لا في الشكل العام للحرف، فالخط اليدوي هو كالبصمة الإنسانية تختلف من إنسان لآخر، وهو أيضاً ـ أي الخط ـ يعكس شخصية الإنسان، ويعكس مميزاته واتجاهاته الفكرية وأيضاً طموحاته وميوله الفنية.


ويضيف د. كارل إن نشاط الدماغ يختلف من مرحلة لأخرى، خلال مسيرة الإنسان الحياتية، ويلعب الخط اليدوي الدور الأساسي في ترسيخ الذاكرة، وبالتالي لا يصاب الإنسان في مرحلة الشيخوخة بالزهايمر.


وهذه الحقيقة كانت نتاج بحث علمي دام ست سنوات في جامعة بون، تلخص الصلة فيما بين الذين يستخدمون في كتاباتهم الخط اليدوي من الذين لا يستخدمونه بطريقة تمت دراستها منذ الصغر، فهؤلاء معرضين لضعف في الذاكرة ليس بالضرورة ان ينتهي بفقدانها، وإنما تنحسر إلى درجات مختلفة ومتباينة.


ويشبه الدكتور ذاته الخط المدروس، بدراسة الرقص بجمالياته، وما يكتسبه الإنسان من مرونة ولياقة من تعلم الرقص، فمتعلم الخط اليدوي بكل نظرياته تكون أنامله طيعة ومرنة، وحركة يديه تكون سهلة الاستخدام حتى في مراحل متأخرة من العمر ولا تصيبها آلام روماتزمية أو روماتويد «إلتهاب المفاصل».


وتوضح المدرسة البريطانية «ناديا بيركروفت» بمدرسة «ويليام مالوك» الثانوية بالعاصمة البريطانية لندن، أن الطلبة حالياً لا يعيرون اهتماماً للاستمرار في الكتابة اليدوية باستخدام السن والريشة، ولذلك نلاحظ رداءة الخط بسبب تيبس فقرات الأصابع والكف، وهم بالتالي لا يحدث لديهم التركيز العميق والمطلوب لمدة طويلة.


أيضاً توضح، أن تعلم فن الخط يخلق شخصية متأنية منظمة ومبتكرة، فسن الريشة لابد له من صيانة يومية تتلخص في تجفيفه من الحبر والاحتفاظ به في علبة خاصة لهذا الغرض، بالإضافة لضرورة ملاحظة إمتلاء المحبرة بالحبر حتى لا يصطدم السن بقاعها فينكسر، أيضاً لابد من وجود ورق نشاف لتجفيف كل ما كتب بالحبر، وهذا كله من شأنه خلق شخصية منظمة مسؤولة تبدأ منذ نعومة الأظافر للطفل.


ويقول مدرس الخط البريطاني «نيل أولسن» إن الآلة الكاتبة هي أول صدمة في مسيرة تعليم الخط اليدوي، وهي البداية التي بسببها اختفى تعليم الخط نسبياً.


وفي دول وسط أوروبا وفي الصين واليابان حالياً مدارس وفصول متخصصة في إعادة تعليم الخط اليدوي باستخدام سن الريشة بسبب ما أثبته العلم الحديث من أن الخط اليدوي يساعد على التركيز والاحتفاظ بقوة الذاكرة، والطريف ان الكبار قبل الصغار يبادرون بتعلم الخط الخاص بلغتهم وحضاراتهم.


والتحديث دخل كوسيلة إيضاحية في تعلم الخط اليدوي في المعاهد المتخصصة، فهناك شرائط فيديو لكيفية تليين الأصابع والرسغ تمهيداً لتعليم الخط اليدوي باستخدام سن الريشة.


ودكتور نورمان دويد من جامعة تورونتو، متخوف من غياب حصص الخط اليدوي من المدارس وإحلال الكتابة على جهاز الكمبيوتر، الذي أكد عدم ثبات المعلومة المكتوبة في ذهن من يكتب على «الكي بورد» لأكثر من شهور، ورويداً ومع الوقت يضعف التركيز والذاكرة معاً، وهو دكتور متخصص في جراحة الأعصاب والمخ.


ربما يكون غريباً علينا ـ نحن سكان العالم الثالث ـ أن نصدق إن العديد من الجامعات القمة حول العالم مثل هارفارد وميشغان وكاليفورنيا وتورونتو تؤكد على ضرورة إتقان وأيضاً التفوق في استخدام قواعد تطبيق الخط اليدوي، كإشارة لرجاحة العقل وقوة الذاكرة، نصدق أو لا نصدق، فبناء الإنسان هو الأبقى دائماً.


وماذا عن الخط العربي؟


هو أصل اللغة، والموصل لمعانيها، وهو الفن العربي الأصيل، والخط العربي هو فن رفيع، له أصوله ونظرياته وجمالياته، وكان الفراعنة قد برعوا في الكتابة بسن الريشة أيضاً، ووثق ذلك على أعمدة المسلات وداخل جدران معابدهم، وكان منهم من تخصص في الخط الفرعوني الممزوج فيما بين الحروف والرسوم.


وشهد العصر الجاهلي المعلقات الشعرية التي دونت بالخط العربي المشكل، وكان يكتب على جلود الحيوانات بعد تطويعها أو على أوراق سميكة تعلق على الحائط، وربما من هنا عرف الشعر الجاهلي باسم المعلقات.


وهناك سبع معلقات في العصر الجاهلي. وكانت المدارس العربية التابعة لوزارة التربية والتعليم في الزمن الجميل وأيضاً المدارس العربية الخاصة، كان من ضمن منهجها ثلاث حصص في الأسبوع لتعلم الخط العربي.


وكانت تعقد ندوات مدرسية لمزيد من الشرح لهذا الفن العربي الراقي، بالإضافة إلى قيام المسابقات في الخط العربي حول كتابة لوحات منها آيات قرآنية، أو تكوينات لكلمات الأسماء الحسنى بالخط العربي، سواء النسخ أو الرقعة أو الخط الكوفي، وربما لهذا السبب كان الرعيل الأول من خريجي هذه المدارس هم النخبة والقدوة حتى وقتنا هذا.


ومن أشهر الخطاطين المسلمين قديما مير علي التبريزي والذي انتقل من هراة إلى بلاط الأوزبك في بخارى في العام 1534، حيث عمل على استمرار التقاليد التي أرستها مدرسة هراة في فنون الخط العربي، ومن أشهر وأبدع أعماله نسخة من قصة «غرام هماي وهمايون»، وهي محفوظة بالمتحف البريطاني، ويرجع تاريخها لسنة 1397.


ويعتبر عبدالكريم الخوارزمي أحد أبناء الخطاط عبدالرحمن الخوارزمي والذي يوجد بعض من أعماله أيضاً في متحف المتروبوليتان، وأشهرها عبارة عن نسخة من ديوان جامي، وقد عمل هو ووالده وشقيقه في تبريز على إدخال تحسينات على الخط وقتذاك.


ويعتبر إبراهيم سلطان شاه رخ من أبرع المبدعين واللاعبين بفن الحروف وعرفت عنه مقدرته على الكتابة بستة أساليب خطية مختلفة، وله مصحف رائع بخط يده في ضريح الإمام رضا بمشهد يرجع تاريخه لعام 1424، وفي متحف الميتروبوليتان وله مصحف أيضاً يرجع تاريخه لعام 1427.


وماذا عن الخط العربي في دبي؟


من الالتفاتات الجميلة تكريم معرض الخط الدولي لفن الخط العربي في دبي في العام 2008 في ختام دورته السنوية الخامسة الخطاط الإماراتي محمد مندي كشخصية العام التي تستحق التقدير لمسيرته وعطائه الكبير في خدمة الخط العربي.


وكانت دائرة السياحة والتسويق التجاري قامت بتنظيم هذا المعرض تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي بمشاركة مركز الأبحاث للتاريخ والفنون الإسلامية والثقافية في تركيا، وبرعاية كل من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وندوة الثقافة والعلوم بدبي.


وتم خلال المعرض عرض نماذج من الخط العربي تحمل عنوان «الخط العربي في العمارة وتخطيط المدن»، فأتت الأفكار الجديدة في مجالات إدخال وتعشيق الخط العربي في زخرفة العمارة في دبي، بصفة خاصة ومدن الإمارات الأخرى بصفة عامة.


وماذا عن الخط العربي في مصر؟


في الوقت الذي كان فيه الخط العربي يقابل بالإهمال في تركيا كانت مصر تستقبل نهضة واسعة فيه على يد الملك فؤاد الأول ملك مصر وقتذاك الذي كان معروفاً بحبه للفنون، فأنشأ معهد الفنون الموسيقية والجامعة الأهلية.


وكان يرغب في أن يكتب له أحد كبار الخطاطين مصحفاً، فقام بذلك الشيخ عبدالعزيز الرفاعي سنة 1921، وأخذ هذا المشروع ستة أشهر وذهبه وزخرفه في ثمانية أشهر، فجاء تحفة جمالية في الخط العربي والزخرفة والنقش.


وقد أمر الملك فؤاد بفتح مدرسة خاصة لتعليم الخط العربي في العام 1922، وكان من بين مدرسيها الشيخ عبدالعزيز الرفاعي، وانتظم فيها مئات الطلاب، ولهذه المدرسة الفضل في تخريج كبار الرواد في فن الخط العربي في القرن العشرين وفي مقدمتهم الخطاط سيد إبراهيم والذي ولد في حي القلعة، في العام 1897، وتفتحت عينه على الآثار الإسلامية التي يمتلئ بها الحي العريق وتزخر مساجدها بنقوشات الخط العربي البديع.


وسيظل الخط العربي بكل نقوشاته وفنونه شامخاً به يرصد التاريخ وحركة الفنون، وجماليات العمارة الإسلامية المعشقة بالحروف المذهبة، سيبقى دوماً رغم غياب وإهمال تدريس هذا الخط في مدارسنا بمصر والعالم العربي.


فالبحث عن العراقة والأصالة والتاريخ سيظل في الصدور وبؤرة الشعور والوجدان العربي.


على ضفاف النيل


اشترك الخطاط الشهير سيد إبراهيم في كتابة خطوط قصر الأمير محمد علي المطل على ضفة النيل بحي المنيل بالعاصمة المصرية القاهرة، عاصمة التاريخ والحضارة والفنون، وكان هذا الأمير صاحب ذوق جميل وحس مرهف ومن عشاق الفنون العربية وفي مقدمتها الفن العربي، فجاء قصره على الطراز المعماري العربي وحلاه بأجمل النقوش والزخارف الإسلامية التي تضمنتها الخطوط العربية المذهبة.


واشترك في تعشيق الخط العربي بالقصر المطل على النيل الحاج أحمد الكامل بك رئيس الخطاطين بمدينة استانبول الذي استدعاه الأمير محمد علي لهذا الغرض.


وقد تطايرت شهرة الخطاط المصري سيد إبراهيم إلى العالم كله فكانت له بصمة خطية مزركشة في مسجد جاما بالهند وأعظم ما ميز عمله هو نقش «سورة الجمعة» بالخط العربي المذهب في صحن المسجد.


منى مدكور

 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر © 2007