2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2010-03-04 02:04:03 UAE
  الجامعة العربية وسياسة راوح مكانك
  بقلم :صبحي غندور
 

خمسٌ وستّون سنة مرّت على تأسيس جامعة الدول العربية، ورغم كلّ المتغيّرات التي حدثت في العالم وفي البلاد العربية، ما زالت صيغة الجامعة على ما هي عليه، وما زالت العلاقات العربية على الصعد كلِّها تراوح مكانها.


كان من المفترض أن تشكّل صيغة الجامعة العربية، عند تأسيسها في مارس 1945، الحدّ الأدنى لما كانت تطمح إليه شعوب المنطقة من تكامل وتفاعل بين البلدان العربية، لكن العقود الماضية وتطوّراتها الدولية والإقليمية.


جعلت صيغة الجامعة وكأنّها الحدّ الأقصى الممكن، بل ظهرت اطروحات لإلغاء هذه الصيغة المحدودة من التعاون العربي، واستبدالها بصيغ «شرق أوسطية» تضمّ إسرائيل ودولاً غير عربية.


ممّا يزيل الهويّة العربية عن أيّ صيغ تعاون إقليمي في المستقبل.صحيحٌ أنّ جامعة الدول العربية هي في الأصل جامعة حكومات، وهي محكومة بإرادات متعدّدة لمصالح وأنظمة مختلفة.


لكنّ ذلك لم يكن مانعاً في التجربة الأوروبية من أن تتطوّر من صيغة سوق اقتصادية مشتركة، إلى اتّحاد أوروبي كامل. وكم هي مصادفة محزنة أن تكون بداية التجربة الأوروبية قد تزامنت مع فترة تأسيس الجامعة العربية في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، فإذا بدولٍ لا تجمعها ثقافة واحدة ولا لغة واحدة.


دول شهدت في ما بينها حروباً دموية طاحنة في قرون مختلفة كان آخرها الحرب العالمية الثانية، تتّجه الآن إلى أعلى مستويات الاتحاد والتعاون، بينما التعاون بين الدول العربية أشبه ما يكون بمؤشّرات سوق العملة، يرتفع أحياناً ليصل إلى درجة الوحدة الاندماجية بين بعض الأقطار.


ثمّ يهبط معظم الأحيان ليصل إلى حدّ الانقسام بين الشعوب والصراعات المسلّحة على الحدود، وإلى الطلاق البائن بين من جمعتهم في مرحلة ماضية صيغ وحدوية.


التجربة الأوروبية لم تكن حصيلة القناعة بهُويّة أوروبية مشتركة، بقدر ما كانت تسليماً بالحاجة إلى الاتحاد والتعاون، كخيار وحيد أمام الدول الأوروبية لبناء مستقبل أفضل لشعوبها، بعدما عجزت الحروب والصراعات والانقسامات عن تحقيق ذلك.


تجربة الاتحاد الأوروبي قامت على المصالح المشتركة، وعلى التعاون الاقتصادي أولاً كمدخل للاتحاد الدستوري الشامل. لكن هذه التجربة قامت ولا تزال على جملة عناصر وشروط، كان أهمّها رفض التدخّل في شؤون البلد الآخر، واحترام إرادة الشعوب داخل هذه البلدان، وبالانسجام بين أنظمة الحكم من حيث البناء السياسي الديمقراطي، وأيضاً في السمات الاقتصادية والاجتماعية السائدة.


بحالٍ معاكس تماماً سارت تجربة جامعة الدول العربية، فهذه التجربة العربية لم تعتمد في مسيرتها سوى على توافق المواقف السياسية الآنية، أو على تحدّيات طارئة على هذا البلد أو ذاك، سرعان ما تعود العلاقات السلبية بعدها إلى سابق عهدها.


وسيبقى واقع حال الجامعة العربية على وضعه الراهن، طالما أنّ الجامعة هي جامعة حكومات، وليست فعلاً «جامعة دول» بما هو عليه مفهوم «الدولة» من تكامل بين عناصر الشعب والأرض والحكم. فالأوضاع الراهنة في البلاد العربية، تفتقد المشاركة الشعبية السليمة في صناعة القرار الوطني، وما زالت المجتمعات العربية تعيش الحالة القبلية والطائفية، كمحصّلة طبيعية لصيغ الحكم السياسي السائدة.


صحيح أنّ المنطقة العربية هي منطقة صراعات دولية، وأنّ حدودها الراهنة هي محصّلة تسويات أوروبية تمّت في مطلع القرن الماضي، وأنّ الأمّة العربية ينخر في قلبها جسم صهيوني غريب استنزف لعقود طويلة طاقات الأمّة، لكن هذه العوامل كلّها هي أيضاً أسباب مهمّة للتكامل والتوحّد السليم بين الأقطار العربية.


فلا الأمن الوطني لأيِّ بلدٍ عربي يمكن تحقيقه بمعزل عن الأمن العربي العام، ولا التنمية العربية الشاملة ممكنة بلا تكامل الثروات والطاقات العربية المبعثرة والمستنزفة من قبل شركات الخارج، وأحياناً أخرى في بلدان الخارج. بلا شكّ، المدخل السليم لتكامل الدول والأوطان، هو صلاحية النظام السياسي الذي تقوم عليه هذه الدول.


فالبناء الدستوري السليم الذي يقوم على مرجعية الناس في الحكم وفي الوصول إليه، هو الأرض الصلبة المطلوبة لأي عملية تكامل بين الدول. هكذا كان درس التجربة الأميركية التي وضعت أولاً دستورها الشهير قبل أكثر من مئتي عام، وجعلته في ثلاث عشرة ولاية المرجع الوحيد للحاكمين والمحكومين.


فإذا بهذه التجربة الدستورية والتكاملية تتطوّر على مدى قرنين من الزمن، لتضمّ الآن خمسين ولاية أميركية، هي في مجموعها اليوم أكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم، لكن ليس بمقدور أي ولاية منها أن تعيش وتزدهر بدون الولايات الأخرى، ونمط الحياة المشترك الرابط بينها جميعاً، فهي وحدة «الكل» الجامع لخصوصيات متنوعة ومختلفة.


إنّ تطوير العلاقات العربية في اتجاه أفضل ممّا عليه صيغة الجامعة العربية، أصبح يتطلّب تطويراً لصيغة أنظمة الحكم في الداخل، وإعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة على المستوى العربي الشامل. فتحقيق أوضاع دستورية سليمة في كلّ بلد عربي، هو المدخل الصحيح الآن لبناء علاقات عربية أفضل، وهو الضمان كذلك لاستمراريّة أيّ صيغ تعاونٍ عربيٍّ مشترك.


لكن المشكلة ليست فقط في غياب الحياة الديمقراطية السليمة، بل أيضاً في ضعف الهُويّة العربية المشتركة، وطغيان التسميات الطائفية والمذهبية والعرقية على المجتمعات العربية. وفي هذا الأمر تكمن مخاطر الانفجار الداخلي في كلّ بلد عربي، وبذا تصبح العروبة لا مجرّد حلٍّ فقط لأزمة العلاقات بين البلدان العربية، بل أيضاً سياجاً ثقافياً واجتماعياً لحماية الوحدات الوطنية في كلّ بلد عربي.


فما هو مبرّر هذا الضياع العربي في مسألة الهويّة؟ ولماذا ينظر بعض العرب إلى دوائر الانتماء المتعددة بشكل متناقض، دون أيِّ مبرّر موضوعي لذلك؟ فالانتماء للدين أو للتاريخ الحضاري الإسلامي، لا يتناقض مع الانتماء للهوية الثقافية العربية، ولا مع الانتماءات الوطنية المتعدّدة في أرجاء الأمَّة العربية.


المشكلة ليست فقط في كيفية رؤية هذه الانتماءات الثلاثة: الدينية والقومية والوطنية، بل في هذا التفكّك الحاصل داخل بعض الأوطان العربية، وفي تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية.


إنّ العودة العربية للعروبة، هي حاجة قصوى الآن لحماية المجتمعات في الداخل، ولتحصينها من هيمنة الخارج، ولبناء أسس سليمة لتعاونٍ عربيٍّ مشترك وفعّال في المستقبل.


إنّ العروبة المنشودة، ليست دعوةً لتكرار التجارب السياسية والحزبية التي جرت بأسماء قومية في مراحل مختلفة من القرن العشرين، بل هي عودة إلى أصالة هذه الأمَّة ودورها الحضاري والثقافي، الرافض للتعصّب وللعنصرية. ومن دون عروبة جامعة، لن تكون هناك جامعة عربية.. ولا أيضاً أوطان عربية واحدة.


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010