2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2010-02-25 00:23:06 UAE
  مفاوضات الدول وحوار المجتمعات
  بقلم :صبحي غندور
 

تقوم وسائل الإنترنت والإعلام الفضائي بدورٍ كبير الآن، في التواصل والحوار بين الأفراد والجماعات والشعوب، غير أنّ المنطقة العربية انتقلت من حالة تجاهل كلمة «الحوار» في عقودٍ ماضية، إلى حالة استهلاكٍ عشوائيٍّ شديدٍ لها أفقدها معناها الحقيقي.


فالحديث يكثر الآن عن «حوار» مطلوب بين أطراف عديدة في المنطقة، وبين العرب ودول أخرى، دون إدراك أنّ المطلوب لحلّ الكثير من الأزمات القائمة حالياً هو التفاوض، وليس الحوار.


فالحوار أسلوب في التعامل بين الأفراد والجماعات، من أجل التعرّف إلى «الآخر» وفهمه، دون التوصّل معه بالضرورة إلى مرحلة التفاهم والتوافق. وهو تعبير عن الاعتراف بوجود «رأي آخر»، وعن حقّ صاحبه في المشاركة في الرأي، وإفساح المجال أمامه للتعبير عن فكره ومعتقده، دون تشويه أو ضغط مانع لذلك.


فهل تحتاج الآن قضايا المنطقة المتنازَع عليها إلى هذا المفهوم عن أسلوب الحوار؟ وهل يجهل أصلاً كلّ طرفٍ معنيٍّ بهذه القضايا ماهيّة الرأي الآخر؟


إنّ الفرق كبير بين الحوار والتفاوض. فالحوار أسلوب مكاشفة ومصارحة وتعريف بما لدى طرف ما، دون شرط التوصّل إلى اتفاق مع «الآخر»، وأيضاً دون مدًى زمني محدّد لهذا الحوار.


أمّا التفاوض فينطلق من معرفة مسبَقة بما يريده الآخر، لكن في إطار المحادثات التي تستهدف لاحقاً الحصول على مكاسب في جانب مقابل تنازلاتٍ من جانب آخر. أي أنّ كلّ طرفٍ مفاوض يكسب ويتنازل في الوقت نفسه، ثم يكون الفارق في مدى حسابات الربح والخسارة.


أمّا الحوار، فليس فيه مكاسب أو تنازلات، بل هو تفاعل معرفي، فيه عرض لرأي الذات وطلب لاستيضاح الرأي الآخر، دون شرط التوصّل إلى نتيجة مشتركة، وقد يحدث تأثّر وتأثير متبادلين بين الطرفين.


والحوار يقوم به أفراد ومؤسسات، وليست الحكومات والدول، التي هي معنيّة أصلاً بأسلوب المفاوضات القائم على موازين القوى والمصالح المادية، لا على بلاغة الأفكار والكلمات وصدق المشاعر.


هذا التمييز المطلوب، ينطبق الآن مثلاً على ما يتكرّر من حديث عن حوار أميركي مع البلدان العربية والإسلامية. فالحوار الأميركي ـ العربي أو الحوار الأميركي مع شعوب العالم الإسلامي، يصحّ إذا قام به أفراد أو مؤسسات مدنية أميركية.


أمّا ما تقوم به الحكومة الأميركية فهو شأن تفاوضي إذا حصل مع حكومات المنطقة، وهو «دعاية سياسية وإعلامية» إنْ كان موجّهاً للشعوب دون الحكومات.


فالإدارات الأميركية تعرف تماماً من خلال سفاراتها وأجهزة مخابراتها، كيف هو «الرأي الآخر» لدى الشعوب الأخرى، بينما لا نجد مواصفات «التفاوض» محقّقة على المستويات الرسمية في بلدان المنطقة.


فتعديل الموقف الأميركي مثلاً بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لا يحتاج إلى «حوار» مع الحكومة الأميركية، بل إلى توفّر عناصر «المفاوضات» التي تنطلق من حسابات موازين القوى والقدرة على التأثير في مصالح الطرف الآخر.


إنّ أسلوب الحوار مهمّ جداً بين الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني، حيث لا يجوز هنا استخدام تعبير «التفاوض». فالشعوب «تتحاور»، بينما الحكومات «تتفاوض».


وكما أن «التفاوض» له أسس للنجاح، فكذلك «الحوار» يحتاج إلى إدراك عام مسبَق بالمواضيع، وإلى مراعاة لضوابط الحوار وقواعد نجاحه.


وقد يكون مهمّاً هنا أيضاً التمييز بين «الحوار» و«الجدل»، كما هو مهمٌّ التمييز بين «المفاوضات» و«المباحثات»، حيث تكون المفاوضات بين أطراف متساوية في الحقوق، وإن لم تكن كذلك على صعيد ميزان القوى.


لذلك، كان الدكتور كلوفيس مقصودا دقيقاً جداً، حينما وصف ما يحدث بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بأنه «مباحثات» وليس مفاوضات. أمّا «الجدل» فهو تعبير مظلوم في الثقافة العربية المعاصرة، إذ هو منهجٌ مطلوب ومهم، إذا أحسن الأفراد أو الجماعات معرفة متى وكيف يُستخدم.


ف«الجدل» هو التقاء نقيضين وتفاعلهما في محتوى (أو موضوع) واحد، وفي ظروف معيّنة وزمان محدّد،ولعلّ الآية القرآنية التي وردت في سورة المجادلة، عن المرأة التي جاءت تشتكي زوجها إلى النبيّ محمد (صلوات الله وسلامه عليه).


فيها هذا التمييز الواضح ما بين الحوار والجدل: ؟قد سمعَ اللهُ قولَ التي تجادِلُكَ في زوجِها وتشتكي إلى اللهِ واللهُ يسمَعُ تحاوُرَكما، إنّ اللهَ سميعٌ بصير؟ (سورة المجادلة ـ الآية 1).


فالله عزَّ وجلَّ وصف، ما جرى بين النبيّ والمرأة المشتكية زوجها، بأنه «حوار»، حيث أنّ النتيجة التي كانت تطالب بها المرأة (في مجادلتها)، هي عند الله سبحانه وتعالى الذي أوحى بها إلى رسوله الكريم في السورة نفسها.


فالجدل، من أجل ذلك، حوار مشروط بالتوصّل إلى نتيجة صحيحة حاسمة، ولا يكون «الجدل» ذا جدوى ما لم تتوفّر لدى كلّ الأطراف المعنيّة فيه الموافقة عليه والقدرة على أدائه.


ونجد هذا الخلط العجيب بين الحوار والجدل، في عددٍ غير قليل من البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية، حيث المتوجّب في هذه البرامج هو الحوارات الجادّة التي لا تشترط من طرف الموافقة على رأي الطرف الآخر، لكنها تُبقي الاختلاف في حدود الآراء، بحيث لا تتحوّل إلى خلافٍ بين الأشخاص.


إنّ البلاد العربية في حاجةٍ قصوى الآن لكلّ هذه المفاهيم معاً. فهي بحاجة للحوار كأسلوب داخل العائلة الواحدة، كما أنّ العائلة بحاجة للجدل أحياناً لحسم بعض الأمور على أسس سليمة.


الأوطان العربية بحاجة إلى حوار داخل شعوبها ومؤسساتها المدنية، وبين دعاة الفكر والدين والثقافة. لكن البلاد العربية، وعلى الأخصّ تلك التي تشهد أزمات لها امتدادات إقليمية ودولية، تحتاج أيضاً إلى اتّباع أسلوب «المفاوضات» مع الأطراف المعنيّة بالنزاعات، لا إلى أسلوب الحوار فقط.


و«الجدل» مطلوب الآن داخل الأمَّة العربية حول موضوع الهويّة الوطنية، وضرورة حسم ذلك لصالح الهويّة المشتركة بين العرب، بغضّ النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية. وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية.


فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة، لا تقوم على أصل عنصري ولا يختصّ بها أبناء دينٍ دون آخر.. و«الحوار»مطلوب الآن داخل كل بلد عربي، حول مفهوم المواطنة وصيغ العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد، والحفاظ على التعدّدية الفكرية والعقائدية والسياسية في المجتمع الواحد..


وحينما يتحقّق ذلك، تصبح البلاد العربية أكثر قدرةً على تحقيق المصالح الوطنية والعربية في مفاوضاتها مع القوى الإقليمية والدولية، فالمعيار في «ميزان القوى» حين «التفاوض» هو «كفَّة القويّ الموحَّد» لا «كفَّة الضعيف المنقسم».


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010