2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2010-02-11 03:04:37 UAE
  أمَّة بلا مشروع أمَّة تائهة
  بقلم :صبحي غندور
 

تميَّز النصف الثاني من القرن العشرين عن نصفه الأول، من الناحية العالمية، بانتقال العالم من صراعٍ دولي وسط الدائرة الحضارية الغربية الواحدة (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، ألمانيا).


إلى صراعٍ دولي ذي طابعٍ أيديولوجي (شرقي شيوعي/ غربي رأسمالي)، وصراعهما المباشر وغير المباشر في بلاد العرب، والذي فرز المنطقة بطابع أيديولوجي، وكان أحد أسباب صراعاتٍ عربية ـ عربية في أكثر من مجال ومكان.


أمّا سمات القرن الحادي والعشرين فلا تقوم حتى الآن على صراع دولي بطابع أيديولوجي (عقَائدي)، بل على تنافس بين قوى كبرى على الاقتصاد والتجارة والمصالح.ونلمس، في هذا القرن الجديد، تراجُع الطروحات الاجتماعية التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي (حول الاشتراكية والعدالة الاجتماعية).


وبروز الطروحات السياسية حول أساليب الحكم السياسي، في ظلّ طغيان مفاهيم الاقتصاد الحر.كذلك تراجعت شعارات الاستقلال الوطني والقومي بالمعنى السياسي، وارتفعت شعارات «العولمة» و«القرية الكونية الواحدة»، رغم وجود دعوات التمايز الثقافي والحضاري بين أمم وشعوب.


وبالتالي ضعُف الحديث عن القوميات بالمعنى السياسي، وارتفع الحديث عن الخصوصيّات الثقافية والحضارية، والتي قد يشترك فيها أكثر من أبناء شعبٍ واحد أو بلدٍ واحد.


كلّ ذلك يحدث الآن في مطلع القرن الجديد، لكن في مناخ من «التأزّم الثقافي» بين الشرق «الإسلامي» والغرب «العلماني ـ المسيحي»، نتيجة ما حدث في 11 سبتمبر 2001، وما تبعه من تداعيات في مختلف أنحاء العالم.


فهناك، في عالم اليوم، شعوب تعيش الخوف من إرهاب ما قد يحدث في أوطانها، وأخرى تعايش الإرهاب يوميّاً حصيلة احتلال خارجي أو تسلّط داخلي.مجتمعات تخاف من «أشباح»، وأخرى يعيش الناس فيها كالأشباح!لكن يشترك الجميع في الخوف من المستقبل المجهول القادم.وكلّما ازداد الشعور بالخوف، ازدادت معه مشاعر الكراهية لهذا «الآخر» المخيف!


إنّ الإدارات المتتالية على الحكم في واشنطن، خاصّة تلك المدعومة من مصانع وشركات الأسلحة، كانت بحاجةٍ على الدوام إلى «عدوّ خارجي» يبرّر سياسة الانتشار العسكري ويحافظ على التفوّق الأميركي، ويضمن تبعيّة الدول الأوروبيّة لـ «قائد وحامي» الحضارة الغربيّة المعاصرة.


وقد كتب الكثيرون عن هذه المقولة، خاصّة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.بعضهم كتب منذراً بخطط أميركيّة وإسرائيليّة لجعل الإسلام هو «العدوّ الجديد» للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة «صراع الحضارات».لكن كلّها كانت كتابات ومجرّد حبر على ورق، إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر.


فيوم 11 سبتمبر 2001، كان يوم انتصار التطرّف في العالم كلّه.يومٌ انتعش فيه التطرّف السياسي والعقَائدي في كلّ بلد من بلدان العالم، وأصبح بعده «المتطرّفون العالميّون» يخدمون بعضهم البعض، وإن كانوا يتقاتلون في ساحات مختلفة.. وضحاياهم جميعاً هم من الأبرياء.


طبعاً، كان من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم الإسلامي في هذا الاتجاه الذي جرى التحذير منه طوال عقد التسعينات.أصلاً، مقولة «الحرب على الإرهاب»هي حرب فاشلة لنظريّة خاطئة، اعتمدتها إدارة بوش وكرّرت فيها ما قامت به إدارات أميركية ضدّ الشيوعيّة في فترة الحرب الباردة.


فالعدوّ الشيوعي كان فعلاً يحكم دولاً تمتدّ من أقصى شرق آسيا إلى قلب أوروبا، مروراً بجماعات حزبيّة منتشرة في معظم أنحاء العالم.وكانت موسكو تمتلك فعلاً قنابل نوويّة موجّهة نحو أميركا وحلفائها الغربيين، فأين وكيف هو واقع حال «العدوّ الجديد»؟!إنّها «حرب الأشباح».


لكنّها تستند إلى ممارسات عنفية لجماعات متطرّفة، مارست وتمارس الإرهاب في دولها أولاً، كما حدث ويحدث في عدّة دول عربيّة وإسلاميّة.ويعيش العرب في هذه الحقبة الزّمنيّة الراهنة مزيجاً من المشكلات الداخلية والتّحدّيات الخارجية، على المستويين الإقليمي والدولي، وهي لا تختلف كثيراً عمّا كانت عليه أمورهم في القرن الماضي.


فقد كان أبرز المشكلات والتحدّيات التي واجهها العرب في المراحل العربية المختلفة من القرن العشرين، هي:الأطماع الدولية والإقليمية، والتحدّي الصهيوني وارتباطه بالسيطرة الخارجية، والتشرذم العربي والصراعات الحكومية السياسية والحدودية، كمحصّلة لمشكلة التجزئة العربية، ثم الصراع حول صيغ الحكم والعلاقات الدستورية والاجتماعية، ومشكلة انعدام العدل السياسي والاجتماعي.


وقد حاول كلّ التيَّارات السياسية والفكرية العربية التعامل مع هذه التحدّيات والمشكلات بطريقةٍ مشتركة أو مُجزّأة، لكن بقيت المشكلات والتحدّيات، مع تعثّر وفشل النظريات والحركات والتيَّارات.


لكن تخبُّط الأفكار والوسائل في تجارب الماضي لم يلغِ الحاجة عربياً إلى بناء مشروعٍ فكري سياسي عربي، يقوم على:عروبة وطنية، لا تجد تناقضاً مع تعدّدية الأوطان، بل تعمل لتكاملها.


عروبة ديمقراطية، في نظام الحكم وفي أساليب المعارضة وفي علاقات المجتمع ككلّ.عروبة حضارية، لا تجد تناقضاً مع المضمون الحضاري الإسلامي ومع دور الدين عموماً في الحياة العربية.عروبة لا عنفيَّة، ترفض استخدام العنف لتحقيق دعوتها أو في علاقاتها مع الخارج.


وترفض استخدام العنف لإصلاح مجتمعاتها أو لتغيير حكوماتها، وتميِّز بين الحقّ المشروع لأبناء أوطانها المحتلَّة، في المقاومة ضدّ قوات الاحتلال، وبين باطل استخدام أسلوب العنف ضدّ غير المحتلّين وخارج الأراضي المحتلّة.


ورغم ومضات الأمل التي تظهر بين فترةٍ وأخرى عربياً، واستمرار إرادة العمل من أجل التغيير على أكثر من ساحة عربية، فإنّ المراوحة في المكان نفسه (إن لم نقل التراجع)، هي السمة الطاغية الآن على الأوضاع العربية.


وقد تعرّضت أمم كثيرة خلال العقود الماضية إلى شيء من الأزمات التي تواجه العرب الآن، كمشكلة الاحتلال والتدخّل الأجنبي، أو كقضايا سوء الحكم والتخلّف الاجتماعي والاقتصادي، أو مسألة التجزئة السياسية بين أوطان الأمّة، أو الحروب الأهلية في بعض أرجائها.


لكن من الصعب أن نجد أمّةً معاصرة امتزجت فيها، في آنٍ واحد، كلّ هذه التحدّيات، كما هو حاصلٌ الآن على امتداد الأرض العربية.فخليط الأزمات يؤدّي إلى تيهٍ في الأولويات، وإلى تشتّت القوى والجهود، وإلى صراع الإرادات المحلية تبعاً لطبيعة الخطر المباشر، الذي قد يكون ثانوياً لطرفٍ من أرجاء الأمّة، بينما هو همّ الطرف الآخر الشاغل.


المؤسف في ذلك كلّه، أنّنا نتحدّث عن «الأمَّة العربية» وما فيها من ترابط وتلاحم بين الأزمات والصراعات، بينما عناصر الترابط والتلاحم بين أوطان الأمّة تزداد تفكّكاً وتباعداً!


ولا يمكن لأمّةٍ منقسمة على نفسها ولا تملك مشروعاً واحداً لنهضتها، أن تربح معارك قضاياها، أو تحمل لشعوبها آمالاً بمستقبلٍ أفضل!


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010