2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2009-12-03 00:09:39 UAE
  عن الإسلاميين والعلمانيين العرب
  بقلم :صبحي غندور
 

هناك انقسام في المجتمعات العربية والإسلامية بين تيّارين أو منهجين فكريين؛ أحدهما يدعو لمقولة «العلمانية»، والآخر إلى الأخذ بالمنهج «الإسلامي». وكلٌّ من أصحاب المدرستين يحاول الربط بين منهجه وبين سمات إيجابية أخرى حدثت أو تحدث في المجتمع، لكن لا علاقة لها في الأصل بالمنهج الفكري نفسه.


فالتيّار «العلماني» يعتبر معارك التحرّر القومي ضدّ الاستعمار في القرن العشرين، وكذلك معارك العدالة الاجتماعية، وكأنّها منجزات لهذا التيار، بينما نجد على الطرف الآخر من يعتبر مثلاً ظاهرة المقاومة الآن، بمثابة انتصار للمنهج الفكري الإسلامي.


أعتقد أنّ في الحالتين ظلماً للحقيقة. فقضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا، ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا، لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.


إذن، أساس الخلاف بين التيّارين «العلماني» و«الإسلامي» هو فكري محض، ولا يجوز إلحاق القضايا السياسية بطبيعة هذا الخلاف. فالهُوية الوطنية أو القومية مثلاً، أصبحت ضحية لهذا الخلاف بين التيّارين في المنطقة العربية، بينما لا تتناقض إطلاقاً الهُوية الثقافية للشعوب مع معتقداتها الدينية. كذلك هو أسلوب المقاومة ضدّ المحتل أو المستعمر، حيث هو وسيلة تحرّر استخدمتها قوى مختلفة الألوان والمناهج الفكرية.


إنّ العكس هو المفروض أن يحدث بين التيارين «الإسلامي» و«العلماني»، أي أن يبقى الاختلاف قائماً في المسألة الفكرية، وأن يتمّ البحث عن المشترك من القضايا الوطنية والاجتماعية.


فالاحتلال الإسرائيلي مثلاً، لم ولا يميز بين التيارين في الأراضي المحتلة، إذ المستهدف هو الفلسطيني إن كان من هذا الدين أو ذاك، أو إن كان «علمانياً» أو «إسلامياً». الأمر نفسه ينطبق على القضايا الاجتماعية، حيث لا دين أو لون فكريا للفقر أو للظلم الاجتماعي.


أمّا الاختلاف على الجانب الفكري فهو ظاهرة صحيّة، إذا حصلت في مجتمعات تصون التعدّدية الفكرية والسياسية، وتسمح بالتداول السلمي للسلطة وباحترام وجود ودور «الرأي الآخر». وهي مواصفات وشروط لمجتمعات تعتمد الحياة السياسية الديمقراطية، وتكون مرجعيتها هي القوانين والدساتير المجمَع على الالتزام بها بين كلّ الأطراف. فلا ينقلب طرف على الآخرين وحقوقهم، أو على الدستور ذاته لمجرّد الوصول إلى الحكم. هكذا هو حال التجربة التركية الآن، كما هي ظاهرة الأحزاب الدينية في المجتمعات الأوروبية العلمانية.


لكن من الأمور المهمّ التوقف عندها، هو حال الخلط الفكري والسياسي الذي يحدث في المجتمعات العربية بين أتباع كلٍّ من الفريقين «العلماني» و«الديني»، كما هو أيضاً التخبّط أحياناً في استخدام المفاهيم والمصطلحات.


إنّ تعبير «العلمانية» لا يعني مطلقاً الارتباط مع كلمة العلم، ففي «المنجد اللغوي العربي» نجد أن أساس التعبير هو «العامي غير الإكليركي» الذي قد يكون فلاحاً أو طبيباً، وقد يكون أمّياً أو متعلماً. ولم تكن العلمانية في نشأتها الأساسية في أوروبا فكرة مضادّة للدين، بل يمكن اعتبارها كمذهب ديني جديد دخل على المسيحية الأوروبية ونشأ معها، ولم يدخل التجارب الإنسانية إلا بها.


فقد ارتبطت نشأة العلمانية بصراع بين مؤسسة دينية كاثوليكية أوروبية احتكرت كل شؤون الدين والدنيا، وبين مؤسسات غير دينية نامية رافقت نشوء الدول والقوميات في أوروبا. ولم تكن العلمانية الأوروبية دعوة إلى الكفر بالدين، بل كانت ركناً في نظام شامل متكامل للحياة الدنيا، وكانت محصّلة عوامل سادت في أوروبا نحو سبعة قرون امتزجت فيها الثورة على استبداد الكنيسة أيام الأمراء والإقطاع، ثم على تدخّل الكنيسة أيام الثورة الصناعية، وانتهت إلى الجمع بين العلمانية تجاه الدين، وبين الفكر الليبرالي الرأسمالي تجاه الدولة والاقتصاد.


وكانت العلمانية الأوروبية تعني عزل الدولة عن سلطة الكنيسة وليس عن الدين، وكانت تعني استمرارية لحركة التنوير والنهضة (التي بدأها مارتن لوثر في أوائل القرن السادس عشر)، كما كانت تعني استخدام العقل وعدم القبول بقدسية كل ما تقوم به الكنيسة.


لقد كان جوهر «حركة التنوير الأوروبي» هو الثقة في مقدرة العقل على إدراك الحقيقة.. وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمّونها «المدرسة الرشدية»، نسبة إلى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد (توفي 1198م). ثم ظهرت في القرن العشرين الأنظمة العلمانية اللادينية، وهي التي ارتبطت بالفلسفة الماركسية اللينينية، والتي اعتبرت أنّ «الدين أفيون الشعوب».


وبينما ارتبطت التجربة العلمانية الغربية، الفاصلة للدين عن الدولة وغير الرافضة للدين المسيحي، بأنظمة حكم ذات نمط ديمقراطي في الداخل وتوجّه استعماري للشعوب الأخرى، وعلى أساس مصالح اقتصادية فرضتها الثورة الصناعية في أوروبا وحاجتها لأسواق ولموارد خام..


فإنّ العلمانية الشيوعية كانت ذات سمة دكتاتورية، وفاصلة للدين عن المجتمع (وليس عن الدولة فقط) ورافضة لكلِّ الأديان، وارتبطت بحركات وأحزاب ذات توجّهات معادية للدين والقومية معاً إذن، ليس هناك نموذج تطبيقي واحد لمصطلح «العلمانية»، بل حتّى في الدائرة الغربية الديمقراطية، نجد اختلافاً في المفهوم .


وفي التطبيق بين العلمانية الأوروبية والعلمانية الأميركية. إنَّ «العلمانية الأميركية» لا تفصل الدين عن الدولة كلّياً، كما هو الحال مثلاً في فرنسا وتجارب أوروبية أخرى، ولا يجد الرئيس الأميركي (أي رئيس) حرجاً في الذهاب أسبوعياً للكنيسة من أجل الصلاة، بينما لا يُتصوّر قبول ذلك في بعض التجارب العلمانية الأوروبية.


العلمانية الأميركية تشجّع على الإيمان الديني ولا تحاربه، وتقوم المؤسسات الحكومية بدعم المراكز والمؤسسات الدينية (وبعضها إسلامي)، وتتمّ الصلاة في مؤسسات حكومية وتشريعية بشكلٍ مشابه تماماً لما يحصل في كثير من البلدان العربية والإسلامية. وحقوق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية (بما في ذلك مسائل الشكل واللباس) مصونة بحكم القانون. وهذا أمر لا توفّره مثلاً التجربة العلمانية الفرنسية أو حتّى التركية.


فالعلمانية، في التجربة الأميركية، هي لضمان حقوق كل الطوائف والأديان ولمنع هيمنة إحداها على الأخرى، بينما تمّ استخدام العلمانية في تجارب عالمية أخرى للحدِّ من دور رجال الدين في المجتمع، كما في التجارب الأوروبية، أو للحدِّ من دور الدين عموماً في حياة الناس، كما كانت عليه التجارب الشيوعية. في المحصّلة، ليست هناك «علمانية عالمية واحدة» لقبولها أو رفضها. فالعلمانية أيضاً أصبحت مدارس مختلفة.


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010