2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2009-10-22 00:10:18 UAE
  طبائع الناس.. من خلال السياقة!
  بقلم :صبحي غندور
 

لا أعلم لِمَ كلّما أقود سيّارتي أكتشف مزيداً عن طبائع الناس من خلال طريقتهم في قيادة سياراتهم! كثيرون حتماً تعاملوا مع هذا الموضوع تفكيراً وكتابة، لكن لربّما تختلف الخلاصات من شخصٍ لآخر. ففي قيادة السيّارة نموذج عملي لما هو أكبر وأشمل من السيّارة نفسها، ولما يقوم به الإنسان في حياته من أسلوب «قيادة» لنفسه أو لعائلته أو لعمله، أو حتى لجماعات ومنظّمات وأوطان.


وهذه مجموعة من خلاصات واستنتاجات كوّنتها حصيلة مراقبة الآخرين خلال قيادتهم السيّارات:


* هناك من يقود سيّارته وهو في حال من الارتباك والخوف من وقوع حادث، ومن هيمنة شعور عليه بأنّ الآخرين يتنافسون معه أو يضمرون له شرّاً، أو أنّهم لا يحسنون السواقة أصلاً. بل هناك أيضاً من يقود سيّارته وأعصابه مشدودة جداً، كيديه المشدودتين على المقود حرصاً على عدم وقوعه في خطأ أو إهمال.


وهذه المشاعر كلّها علامات سلوك تُعبّر إمّا عن عدم ثقة بالنفس، أو عدم ثقة بالآخرين أو الاثنين معاً. فيكون هاجس هذا الإنسان السائق ومخاوفه إفرازاً لحالة نفسية داخلية، أكثر ممّا هو واقع عملي لديه أو عند السائقين الآخرين.


* هناك أشخاص يسوقون سيّاراتهم ونظرهم في معظم الأوقات مشدود إلى الخلف عبر المرآة الداخلية أو الجانبية، دون مبرّر أحياناً لذلك كالانتقال من خط سير إلى آخر. ومشكلة هذه الفئة من الناس أنّها ترمز إلى من يشغلون أنفسهم بالماضي أو بالأمور الهامشية، أكثر من التركيز على ما هو أمامهم وعلى قيادة حياتهم إلى مستقبل أفضل، فيصبحون مشكلةً لمن يتبعونهم من خلفهم، وأيضاً لمن هم أمامهم وإلى جانبهم.


* ومن «السائقين» على طرقات الحياة من ينظرون حصراً إلى ما هو أمامهم مباشرةً، ولا يمارسون النظرة الشاملة لمحيطهم، أو النظرة بعيدة المدى لما هو قادم في طريقهم. لذلك نرى هذه الفئة مسيّرةً بما هو عليه حال السيارة التي أمامها مباشرةً، دون أي مبادرة تخرجها أحياناً من تورّط قد يطرأ في حادث، أو في جمود وتعطيل نتيجة زحمة «عدم» السير!


* كثير من الطرقات يكون السير فيه على خط واحد فقط، ولا يكون بالمقدور تجاوز السيارة أمامنا، والتي قد يكون سائقها متلهّياً بأمور أخرى (كالحديث على الهاتف النقّال أو مع راكب آخر). وهنا تكون المشكلة أنانيّة هذا السائق وعدم تفكيره بأحوال الآخرين، بل وتجاهل أنّه أصبح عقبة بعد أن وضعته الظروف في موقع «قيادة مؤقتة» لرتل من السيارات خلفه. فهذه أنانية من جهة، وهي من الجهة الأخرى فشلٌ في القيادة.


*وعلى الطرقات المتعدّدة الخطوط في الاتجاه الواحد، نجد سائقين يصرّون على السير خلفك أو إلى جانبك تماماً، رغم وجود مجالات واسعة لتجاوزك، خاصّة في حال عدم زحمة السير. في المقابل، هناك سائقون لا يحتملون وجود سيّارات أمامهم، فنراهم يندفعون بسرعة إلى تجاوز من أمامهم، ثمّ يخفّفون من سرعتهم بعد ذلك إلى أقلّ ممّا كانت عليه سرعة السيارات الأخرى.


وفي هذه الحالات كلّها نماذج عن طبائع البشر الذين لا يرضى بعضهم إلا بالقيادة ولو عن خطأ، ويستحسن بعضهم الآخر تبعيّة الآخرين فيبقى خلفهم، بينما يفضّل بعض الناس الرفقة على الدرب لأنّها تُشعر بالاطمئنان نتيجة وجود أحد ما دوماً إلى جانبهم.


* أيضاً، نجد على الطرقات العامّة من يتصرّفون بالأسلوب العدواني في السياقة، وهو أمر نلمسه من طريقة دفعهم غير المباشر للسيارات أمامهم أو من خلال القفز السريع من خط لآخر، وكلّها علامات لسلوك أشخاص يمتلكون أصلاً النزعة العدوانية التي تسعى لإخافة الآخرين أو لإثبات القدرة على التفوّق، فتكون طريقتهم في السياقة كمن يملك الطريق، لا السيّارة فقط.


*في المقابل، هناك سائقون يحسبون الخطوط المرسومة على الطرقات وكأنّها جدران من الحديد والصلب، فلا يسيرون فوقها في حالات الضرورة لتجنّب وقوع حادث. وهذه الفئة هي حال كثير من الناس الذين ينظرون إلى القوانين والنصوص بحال من الجمود، ولا يعتبرون بالقاعدة العامّة: «الضرورات تبيح المحظورات». وربّما يستدعي هذا الأمر التمييز بين فئات تختلف في نظرتها للقانون عموماً؛ فالبعض يحترم القانون ويلتزم به دائماً خوفاً من العقوبات فقط، والبعض الآخر يتعامل مع القوانين بقناعة أحقّيتها وضرورتها، وليس فقط خوفاً من عدم تطبيقها.


وهذا الفارق نجده بين السائقين الذين يتوقفون عند الإشارة الحمراء، بغضّ النظر عمّا إذا كانت هناك سيّارات قادمة في الاتجاه الآخر أم لا، وبغضّ النظر أيضاً عن وجود شرطة سير أم لا، بينما يقيس البعض الآخر مدى التزامه بالقوانين بمقدار وجود الشرطة أو عدمه، وتحسّباً من العقوبة فقط.


* أيضاً، نجد على طرقات السير والحياة من يحسنون السياقة لكنّهم يجهلون قوانين السير، فنراهم ناجحين في «سلوكهم» القيادي، بينما هم فاشلون في «معرفتهم». وهذه حال الكثير من الناس، حيث ضرورة تكامل الفكر والعمل في كلّ الأمور، وحيث السلوك الجيّد وحده لا يغني عن وجود المعرفة الجيّدة.


* أخيراً، في هذه الاستنتاجات السريعة، نجد على الطرقات من يتباهون بسيّاراتهم الفاخرة، مقابل آخرين مضطرّين لقيادة سيارات قديمة لا تقدر ربّما على السرعة اللازمة أو المناورة السريعة على الطرقات. وهنا قد نجد من هم سائقون جيّدون، لكن لم تسمح لهم ظروفهم وإمكاناتهم باقتناء سيارات حديثة، وعليهم التواجد على طرقات السير والحياة مع من يُحتمل أن يكونوا سائقين سيئين يمتلكون أحدث أنواع السيارات ويقودونها بشكل طائش يسبّب الضرر لأنفسهم وللآخرين.


هذه المقارنات أو الاستنتاجات عمّا بين الناس وطريقة سياقتهم من فروق، تحتّم أيضاً ضرورة المقارنة في أحوال الطرقات نفسها، ورجال الشرطة المعنيين بتنفيذ قوانين السير.


فالفارق بين رجال شرطة عادلين ورجال شرطة ظالمين أو فاسدين ومرتشين، نراه أيضاً في حياتنا العامّة بالفارق بين دول وحكومات عادلة وأخرى ظالمة أو فاسدة. فليست الدساتير والقوانين فقط هي التي تميّز الدول والحكومات، بل الأساس في التمييز هو سلوك القادة والمعنيين بتنفيذ الدساتير والقوانين.


الأمر نفسه ينطبق على المقارنة بين المجتمعات عموماً وبين أحوال «طرقات السير». فالطرقات المعبّدَة جيّداً والمجهّزة بإنارة كافية والواضحة فيها إشارات السير والتنبيهات على المنعطفات، تقلّ فيها وعليها الحوادث مهما كانت أحوال السائقين، مقارنةً مع ارتفاع نسبة الحوادث على الطرقات الوعرة الخالية من أيّة إنارة أو إشارات أو ضوابط.


وفي ذلك وضوح لمدى مسؤولية الدولة والقائمين عليها عن المجتمع ككل، وما في هذا المجتمع من حاجات للتنمية ولتكافؤ الفرص والعدالة والمساواة، ومن ضرورة وجود القوانين واحترامها ومحاسبة المخالفين لها، مهما كانت أحوالهم، أو المرتشين الفاسدين المسيئين لها، مهما كانت مواقعهم.


مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


alhewar@alhewar.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010