9 فبراير 2010 ، 25 صفر 1431 هـ - العدد 10828
الثلاثاء
 
 
  2009-10-05 00:10:40 UAE
  وظيفة شاغرة في فرنسا
  بقلم :علي عبيد
 

«ماريا» هو الاسم الذي سنختاره افتراضا للفتاة المولودة من أم فرنسية وأب عربي مهاجر انقطعت جذوره بوطنه الأصلي، لا تتحدث العربية إطلاقا لأنها ولدت في فرنسا، وتلقت تعليمها هناك، ولم تزر موطن أبيها ولا أي دولة عربية حتى أنهت تعليمها وقادتها قدماها للبحث عن فرصة عمل في الإمارات.


تخرجت من مدرسة لتعليم الإدارة الفندقية في فرنسا ثم التحقت بإحدى مدارس الفندقة الشهيرة في سويسرا لنيل شهادة تعزز من فرصتها في الحصول على عمل في عالم الفنادق الذي يعرف أصحاب الاختصاص أن سلمه الوظيفي طويل، يبدأ من باب الفندق ـ وهذا ليس عيبا بالتأكيد ـ حتى يصل إلى الإدارة العليا، مرورا بمختلف الأقسام التي يعرفها طلاب هذا التخصص والعاملون في هذا القطاع.


لو كانت هذه الفتاة خريجة مواطنة أو خريجا مواطنا من الإمارات أو يحمل جواز سفر عربيا وتقدم للعمل في أي فندق من الفنادق المنتشرة لدينا لوجد نفسه يبدأ السلم من أوله، وربما تخطى الدرجة الأولى منه في أحسن الظروف لو تيسرت له «واسطة» من المعارف وبعض أصحاب النفوذ، لكن الفتاة الفرنسية ـ رغم أصولها العربية التي لم يعرف عنها من وظفها بالتأكيد ـ وجدت الأبواب أمامها مفتوحة لأنها تحمل جواز سفر أوروبيا، وتم التجاوز عن شرط الخبرة الذي يطلب دائما من المواطنين والأخوة العرب.


حيث إن عمرها لم يكن قد تجاوز 24 عاما عندما قدمت إلى الدولة، ولم تكن تحمل من المؤهلات سوى شهادتي المدرستين الفرنسية والسويسرية، وشهادات التدريب التي يحملها كل طلاب وطالبات مدارس الفندقة باعتبارها من متطلبات التخرج التي لا يمكن إتمام مراحل الدراسة الفندقية دونها في كل المدارس التي تدرس هذا التخصص في العالم.


وقد توجهت فور وصولها إلى إحدى المجموعات الفندقية المعروفة في الدولة، ودون أن تطلب منها أي شهادة خبرة تم تعيينها مديرة لإدارة التسويق في الإمارة الأكثر ازدهارا من حيث الصناعة الفندقية؛ في دبي التي تملك المجموعة ثلاثة فنادق كبيرة في مواقع حيوية، وبراتب مقداره 45 ألف درهم شهريا، ناهيك عن الامتيازات الأخرى التي لا نعرف تفاصيلها، الأمر الذي من الصعب أن يتوفر لمواطن يحمل شهادة جامعية، بل وخبرة تتجاوز العشرين عاما في مجال عمله.


في تصوري ـ الذي أعتقد أن تصوركم لن يختلف كثيرا أو قليلا عنه ـ لو أن مثل هذه الفرصة أتيحت لمواطن لتمسك بها وبذل قصارى جهده للمحافظة عليها، خاصة في ظل الظروف الحالية التي تتزايد فيها أعداد المواطنين العاطلين عن العمل والباحثين عن وظائف، وتتناقص فيها الفرص، لكن فتاتنا لم يعجبها الحال، وبعد سنتين من العمل في الإمارة التي يتطلع إلى العيش والعمل فيها الجميع، قررت تقديم استقالتها والعودة إلى مسقط رأسها بحجة أن المرتب غير كافٍ وظروف الحياة الاجتماعية في الإمارات لا تناسبها! وهنا قد يقول البعض: حسنا فعلت، فربما تكون قد أفسحت مكانا لخريج مواطن أو شقيق عربي ذي مؤهل وخبرة، وإن كنا نشك في ذلك لأن مثل هذه الأماكن محجوزة دائما لغير المواطنين وحملة الجوازات العربية.


قد يبدو هذا جانبا مثيرا من الحكاية، لكن الجانب الأكثر إثارة منها هو ما حدث بعد أقل من عام على مغادرة «ماريا» الإمارات وعودتها إلى وطنها الحبيب فرنسا، فقد ظلت تبحث عن عمل هناك دون جدوى، خاصة وأنها كانت تتطلع إلى وظيفة أفضل من التي كانت تشغلها وراتب أعلى من الذي كانت تتقاضاه هنا، ولكن يبدو أن خبرة السنتين التي اكتسبتها بيننا لم تؤهلها لمثل هذا الطموح فحملت حقائبها مرة أخرى وعادت إلى الإمارات في عزّ الأزمة الاقتصادية التي يشيع البعض أنها أدت إلى إنهاء عقود الكثير من الموظفين، والاستغناء عن الكثير من الوظائف، وتوقف الحركة بالمطارات، وخلو الشوارع من السيارات، وكساد سوق البناء والعقار.


عادت «ماريا» بتلك الشهادات التي لم تزد عليها سوى خبرة السنتين اللتين أشرنا إليهما، وتقدمت بأوراقها إلى أكثر من جهة ومجموعة فندقية دون أن يخامرها أدنى شك في أنها ستجد فرصة أفضل من التي تخلت عنها، وقد حدث هذا فعلا، إذ تلقت عروضا جيدة من بعض الجهات التي تقدمت إليها، لكنها فضلت التريث هذه المرة لاختيار الفرصة الأفضل بعد اكتمال العروض التي هي واثقة من أنها في الطريق إليها حتى لو تأخرت قليلا، وكان لها ما أرادت.


هذه حكاية «ماريا» أما «فاطمة» فلها حكاية أخرى ربما تتشابه مع حكاية «ماريا» في بعض الجوانب، لكنها تختلف عنها في جوانب أخرى لتصبح حكاية مناقضة لها تماما، فما هي حكاية «فاطمة» وما هو الرابط بينها وبين حكاية «ماريا»؟


«فاطمة» التي نشرت رسالتها في صحيفة «الإمارات اليوم» الأسبوع الماضي تقول إنها مواطنة من إمارة الفجيرة، عمرها 24 عاما، حاصلة على مؤهل الدبلوم في الإدارة البنكية ودورات في الحاسب الآلي وتجيد اللغة الإنجليزية، تبحث عن وظيفة منذ سنتين، وتعيش ظروفا صعبة مع أسرتها لتدني مصدر الدخل، إذ يعتبر والدها المعيل الوحيد لهم، وهو يتقاضى معونة من وزارة الشؤون الاجتماعية مقدارها 5000 درهم، حاولت «فاطمة» البحث عن عمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة ولكن لم يحالفها الحظ حتى الآن، ولا تعرف إلى متى تنتظر رد المؤسسات من أجل توظيفها.


واضح أن الربط بين حكاية «فاطمة» وحكاية «ماريا» ظالم إلا من ناحية الفانتازيا التي برع فيها مخرجنا العزيز نجدت أنزور ثم توقف عنها لتعود إلينا على شكل قصص حية يبدو فيها الخيال أكثر من الواقع، ولكي تنتصر الفانتازيا على الواقعية فإننا نقترح على الإماراتية «فاطمة» أن تشد الرحال إلى بلد صديقتنا الفرنسية «ماريا» بحثا عن فرصة عمل هناك، فربما كان القدر يخبئ لها الفرصة المنشودة كما فعل مع «ماريا» في الإمارات، وهكذا نكون قد ضمنا لشهر رمضان المقبل ـ أمدّ الله في أعمارنا وأعماركم ـ مسلسلا جديدا يخلصنا من رتابة الأعمال التلفزيونية التي أصبحت مملة ورتيبة وفاقدة للإثارة، حتى لو كانت أحداث هذا المسلسل من ذلك النوع الذي اعتدنا مشاهدته في الأفلام الهندية.


كاتب إماراتي


aliobaid4000@yahoo.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


 
مقال مؤثر جدا
أشكر كاتبنا المتميز دائما الأستاذ علي عبيد الذي أثار موضوعا بمثل هذه الحساسية والدلالة التي تحملها كلماته. قصة ماريا قصة مؤثرة لأنها تحكي فصلا من فصول الخيبة وقلة الاكتراث بالإمكانيات الشخصية والطاقات البشرية المتوفرة في أبناء البلد ولدى فئة من إخوتنا العرب ممن يطمحون لتقديم أفضل ما لديهم لمجتمعنا الكريم نعم قصة ماريا لها أشباه ونظائر في عدد من الأماكن وبيئات العمل ومن المؤسف انه لا يفتح المجال فقط للفرنسيات وإنما الآسيويات أيضا أصبحت لهم صولات وجولات وتوفرت لهم فرص ما كانوا يحلمون بها في أوطانهم !! إن الذي لا يعرف كيف يقدر نفسه جيدا ولا يحترم ما لديه من خبرات يصبح من السهل أن يبحث عمن هم خارج البيئة والوطن ظنا منه أن ما افتقده سيجده هناك !!
مريم عبدالله النعيمي - الإمارات 2009-10-05 09:09:03
 
أعلى الصفحة
   
 
 
 
 
  المحرق زعيم البطولات
بوهيلة - البحرين
  آسيوي يهدد سكرتيرة بالقتل للحصول على تأشيرة
حمد القاسمي - المملكةالمتحدة
  العزوف الجماهيري
هبه توفيق - الأردن
  جودة الهواء في مناطق الكسارات
سهيل - الإمارات
  بكفي نوكل بلحم بعض
queen of the night - الأردن
  أوو ماي قااد
وصلاوي - الإمارات
  الحل عند جمعه
وصلاوي - الإمارات
  الى الامين على الكلمة و توصيات القادة....
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  يستاهلون
وصلاوي - الإمارات
  بالطول بالعرض هلالنا إهز الارض
عمار ضاحي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2009