2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2009-07-20 00:11:06 UAE
  لعبة الشطرنج الرباعية
  بقلم :ممدوح الشيخ
 

عندما يقول داهية مثل وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، إن الرئيس الأميركي باراك أوباما لاعب شطرنج محترف، فلا بد أن لهذه الشهادة مصداقيتها، وهي قد تكون مفتاحا مناسبا لفهم الفلسفة التي يبنى عليها باراك أوباما استراتيجياته السياسية في ظرف دولي صعب، وظرف داخلي أميركي أكثر صعوبة. والرجل دخل البيت الأبيض، دون أن يمر بأي من «مطابخ» السياسة الأميركية التي صنعت معظم رؤساء أميركا السابقين، فضلا عن أنه أحيط بهالة جعلت صورته أوضح بكثير من حقيقته. والطريقة المؤثرة التي يتصرف بها الرجل منذ أصبح في دائرة الضوء مرشحا للرئاسة، شكلت حاجزا حقيقيا اختفى وراءه «الثعلب السياسي» الكامن في أعماق أوباما حتى وقت قصير مضى. ولغة الحوار الهادئة التي غلبت على خطابه السياسي، جعلت كثيرين يتصورون أنه رئيس «حالم» منعزل عن الواقع، وسيأخذ أميركا إلى المجهول!.


وأول ما ظهر من حقيقة أوباما هو الطريقة التي أدار بها الملف الباكستاني، الذي شكل على مدى سنوات نقطة ضعف في الاستراتيجية الأميركية في الملف الأفغاني الباكستاني، فقد نجح المسؤولون الباكستانيون وحتى نهاية عهد الرئيس بوش الابن، في اللعب على التناقضات باتخاذ سياسة مهادنة إزاء طالبان باكستان، بل ربما دعمها سرا، ما جعل الحرب الأطلسية في أفغانستان تظل »نفخا في قربة مثقوبة« حسب التعبير المصري الشهير. ورغم أن قرار دخول الحكومة الباكستانية مواجهة مفتوحة مع طالبان باكستان، يعني ـ بجدية ـ احتمال تمزق باكستان أو دخولها نفق الحرب الأهلية، فإن دبلوماسية أوباما نجحت في دفع الحكومة الباكستانية لاتخاذ القرار الصعب.


لكن حنكة الرجل بدت أكثر ـ بل ربما بشكل مدهش ـ في إدارته للعلاقة الرباعية المعقدة: أميركا ـ روسيا ـ أوروبا ـ إسرائيل. فمع وصول حكومة يمينية متشددة في إسرائيل، صاغ أوباما موقفا جديدا إزاء إسرائيل ينزلها من عرشها كاستثناء في السياسة الخارجية الأميركية، ويجعلها تفكر للمرة الأولى في الهرب من «نار» أميركا إلى «جنة» أوروبا! وهناك من يرى أن أوباما خطط لذلك بشكل مقصود ليحقق هدفين مهمين: أن يشعر أوروبا بأنها ليست مستبعدة من الرؤية الأميركية لحل الصراع في الشرق الأوسط، لكنه من ناحية أخرى كان يعرف أن الأوروبيين سيطالبون إسرائيل بمطالب لن تقبلها، وبالتالي ستعود إلى الحظيرة الأميركية أكثر استعدادا لقبول الشروط الأميركية!.


لكن اللعبة كان لها طرف رابع، هو روسيا التي تريد العودة للعب دور دولي فاعل، وتعرف جيدا أن واشنطن هي البوابة الرئيسة للعب هذا الدور. وبالزيارة التي قام بها أوباما مؤخرا لروسيا، بدأت أصوات أوروبية ترتفع محذرة من «وفاق» أميركي روسي جديد يؤدي إلى «تهميش» أوروبا، ما جعل المحور الفرنسي الألماني الملقب ب«قاطرة الاتحاد الأوربي» يبدي تقاربا كبيرا مع الرؤية الأميركية في القضايا الدولية المهمة، بل إن فرنسا أحيانا اتخذت مواقف تجعلها «ملكية أكثر من الملكيين»، فكانت أحيانا تتخذ مواقف أكثر تشددا من الموقف الأميركي في الملفين السوداني والإيراني.


ولاعب الشطرنج الماهر ما زال يتحرك برشاقة على رقعة الشطرنج، مساوما روسيا بحرفية على ملفات شديدة التعقيد، فبدلا من لعبة التصعيد الأحادي التي مارسها الرئيس السابق بوش، يبدي أوباما مرونة ذكية تمزج بين المصالح والمبادئ، وتحاول دفع روسيا للمساومة على قبول قيامها بدور دولي أكبر، مقابل أن تعمل روسيا على حل المشكلة النووية الإيرانية، وتلوح أميركا لحليفتها اللدود أيضا بتجميد مبادرة الدرع الصاروخية الأميركية.


والتوازن الجديد بين الأطراف الأربعة أصبح، في عهد أوباما، أكثر وضوحا، وأصبحت واشنطن المرشح الأوفر حظا لأن تعيد هندسة العلاقات الدولية في السنوات القليلة المقبلة. فالأوروبيون مترددون بين الرغبة في مواجهة الضغوط السياسية الروسية على أوروبا، وخاصة بورقة إمدادات الغاز، وبين الرغبة في تقوية الموقف الروسي دوليا لتوازن النفوذ الأميركي أو الهيمنة الأميركية. أما إسرائيل فلم تحقق حلم بيريز في بناء شرق أوسط تقوده إسرائيل، ولم تنجح في بناء توازن الرعب الذي حلم به شارون، وبالتالي لم يعد هناك مفر من بقائها تحت المظلة الأميركية، ومن ثم قبول الشروط الأميركية.


ولعل هذا يفسر إحجام أميركا عن ممارسة ضغط على أوروبا لقبول إسرائيل عضوا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما حاولت إسرائيل تحقيقه على حياء، رغم أن أميركا مارست ضغوطا كبيرة على الاتحاد الأوروبي لقبول تركيا مثلا! وكلما شعرت إسرائيل بأنها تواجه بيئة إقليمية حافلة بالمخاطر وتعيش في حماية توازن قوى شديد الهشاشة، كانت قابليتها للخضوع للمنطق الأميركي أكبر.


وبمهارة لاعب الشطرنج المحترف، يثبت أوباما أنه يجيد قراءة «نفسية» اللاعبين الآخرين على ساحة السياسة الدولية، وأنه يستخدم الحوافز والتهديدات دون أن تهتز يده، أما لغته الهادئة فساهمت في تخليص السياسة الخارجية الأميركية من ضجيج الهجوم الكاسح على كل ما هو أميركي، خلال فترة حكم بوش. وهكذا نجحت واشنطن، بعد سنوات من الإخفاق، في أن تقول للأطراف الثلاثة: كش ملك!


كاتب مصري


mmshikh@hotmail.com

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010