2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2008-05-16 00:03:21 UAE
  أوروبا... و«الثورة المحافظة»
  بقلم : د. محمد مخلوف
 

في عام 1998 كانت أوروبا تسير على إيقاع اليسار، مع توني بلير في انجلترا وجيرهارد شرودر في ألمانيا وليونيل جوسبان في فرنسا.


وفي عام 2008، أي بعد عشر سنوات، تبدو الصورة مختلفة تماما، فاليسار «خارج الإطار» كله تقريبا. هذا الإقصاء لليسار عن مراكز القرار السياسي تسارع كثيرا منذ عام 2007.


فمنذ 2007 جرت انتخابات عامة في 10 بلدان أوروبية. إنها فرنسا واستونيا وفنلندة وبولندة وبلجيكا والدانمارك واليونان وإيرلندة واسبانيا وإيطاليا. هذا بالإضافة إلى الانتخابات التي شهدتها بريطانيا قبل أيام.


في هذه البلدان كلها حيث كان اليمين في السلطة، حافظ عليها، وحيث كان اليسار حاكما خسر الحكم. الاستثناء الوحيد هو اسبانيا حيث حافظ اليسار بزعامة ثاباتيرو على الأغلبية البرلمانية. هناك حالتان تستحقان، في هذا السياق، اهتماما خاصا فيما يتعلق ب«الانعطاف اليميني» الأوروبي.


وهما تخصّان رئاستي بلديتي روما ولندن. فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية يترأس بلدية روما شخص من اليمين، وبدقة أكبر من «يمين اليمين»، ويكاد يكون على يمين «سيلفيو برلسكوني» نفسه. أما «كين ليفينغستون»، رئيس بلدية ـ عمدة ـ لندن السابق والعمّالي المعروف عنه دفاعه عن التعددية الاثنية والدينية وعن الأقليّات فقد هزمه محافظ متزمت هو «بوريس جونسون» الذي لا يخفي آراءه ذات النكهة العنصرية.


هكذا بعد الفشل الذريع الذي عرفه معسكر اليسار في إيطاليا، قبل عدة أسابيع، بقيادة والتر فيلتروني أمام التحالف اليميني ـ القومي الذي يتزعمه برلسكوني والهزيمة «النكراء هذه المرة» لحزب العمال البريطاني أمام المحافظين، يكون اليمين الأوروبي قد حقق نصرين «مفصليين» وعزز من إحكام سيطرته على صعيد القارّة بعد عودته منذ فترة ليست بعيدة في كل من السويد والدانمارك المعتبرتين ك«عرينين» لليسار الأوروبي «الإصلاحي»، المعروف ب«الاجتماعي ـ الديمقراطي» لتمييزه عن اليسار الراديكالي.


المعروف أن اليمين هو الذي يقبض أيضا على مفاتيح السلطة في كل من ألمانيا وفرنسا وهولندة والبلدان الاسكندنافية الأخرى. هذه الموجة اليمينية لا تقتصر على أوروبا الغربية «الليبرالية تاريخيا»، وإنما تمتد في الواقع إلى أوروبا الوسطى والشرقية ـ الشيوعية حتى الأمس القريب ـ حيث تتكرر نفس ظاهرة «صعود» اليمين و«هبوط» اليسار في العديد من البلدان. هكذا حققت الأحزاب اليمينية الليبرالية انتصارات انتخابية في كل من بولندة وتشيكيا وبلدان البلطيق ورومانيا.


وإذا كان اليمين الأوروبي التقليدي المحافظ ـ لتمييزه عن اليمين المتطرف ـ يزداد قوة فإن اليسار، من جانبه، يزداد ضعفا و«تتلاشى» قواه في المرحلة الراهنة. لا شك أن هناك أسبابا عديدة لذلك من جملتها الآثار البعيدة لانهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الاشتراكي وهزيمة «موديله» وعدم قدرة هذا اليسار على تجديد إيديولوجيته. بالمقابل أظهر اليمين قدرة أكبر على «التأقلم» مع المعطيات الجديدة للعولمة الليبرالية، وتبنّى بنفس الوقت الأطروحات ذات الاهتمام لدى شرائح اجتماعية واسعة، خاصة فيما يتعلق بمسألتي الهجرة والأمن.


اليسار، ظل، من جهته، متشبثا حيال مثل هذه المسائل الحساسة ب«لغته الإيديولوجية الخشبية» التي فقدت بريقها وقوة جذبها. وبالتالي لم يعرف، بكل فصائله ومشاربه الوسطية منها والراديكالية، كيف يقدّم إجابات «مقنعة» على إشكاليات حقيقية مطروحة في سياق ما بعد انهيار جدار برلين وما رافقه من تبدلات اجتماعية جوهرية.


اليمين الأوروبي دخل واقعيا من «الثغرة» التي لم يعرف اليسار كيف «يسدّها» إذ تبنّى هذا اليمين خطابا ظهر فيه أنه الأجدر من أجل التصدي لمسائل هي «تاريخيا» من «اختصاص» اليسار. هكذا كانت انجيلا ميركل قد حملت لواء الدفاع عن حقوق المرأة، في ألمانيا؛ وجعل نيكولا ساركوزي من نفسه، في فرنسا، محامي المكاسب والمطالب الاجتماعية إلى درجة أن بعض المعلقين الفرنسيين تساءلوا إذا كان قد بقي في جعبته أي طرح يميني؟


بل ووصفه آخرون أنه «يساري مقنّع». باختصار هناك «انزلاق» مشهود للناخبين الأوروبيين نحو اليمين الذي عرف كيف «يجدد شبابه» وينوّع من «روافده» الاجتماعية بما فيها، بل وخاصة، الأوساط الشعبية ذات الميول الانتخابية اليسارية «تقليديا».


مثل هذا الصعود اليميني رأى به مفكرون عديدون نوعا من «الثورة المحافظة» الجديدة التي تتابع طريقها «إلى الأمام» وتتقدم محطة إثر محطة وهي ترفع شعارين أساسيين هما «التحديث الاقتصادي والاجتماعي»،متجاوزا بذلك اليسار «عن يساره» و«حماية الهويات الوطنية» متجاوزا بذلك اليمين المتطرّف «عن يمينه».


مثل هذا المنعطف اليميني يُفترض منه أن يسمح «نظريا» بصياغة برامج أوروبية مشتركة تلتقي حول بعض الأولويات على صعيد السياسة الأمنية والدفاعية. ولكن «واقعيا»، وهنا المفارقة، قد يكون الأمر غير ذلك فالفرق كبير بين اليمين المسيحي واليمين العلماني، وبين اليمين ذي النزعة الأطلسية واليمين المنادي بأولوية السيادة الوطنية بل وبين اليمين ذي النزعة الأوروبية «المتحمسة» واليمين القومي المناوئ لأوروبا «على الطريقة الإيطالية» مثلا.


ولعلّ أهم خصوصيات اليمين الأوروبي«الجديد» السائد اليوم هو أنه يندرج في إطار اليمين التقليدي المحافظ المؤهّل لإقامة تحالفات وإنما، رغم قطيعته مع إيديولوجية اليمين المتطرف، قد يطرح نفس مقولاته حول مواضيع حساسة مثل الأمن والهجرة.


كملاحظة أخيرة. قبل أربعين سنة كانت الصورة مشابهة تقريبا في أوروبا، وفي أميركا أيضا، لما هي عليه اليوم. ولكن ذلك الوضع تبعته انفجارات «اجتماعية» كانت أحداث مايو 68 في فرنسا بعض تعبيراتها البارزة.


وهناك اليوم أزمات معيشية واقتصادية تلوح في الأفق وغلاء أسعار وإحساس بغياب الأمن وعدم وضوح المستقبل. هذا التوصيف لا يصح على أوروبا وحدها وإنما على غيرها من مناطق العالم.. بما فيها، بل ربما على رأسها، منطقتنا العربية. ولا شيء يضمن عدم حدوث انفجارات في أوروبا وفي غيرها من مناطق العالم. وربما على رأسها منطقتنا العربية أيضا. التاريخ لا يعيد نفسه ولكن لدروس التاريخ فوائدها «المجرّبة».


كاتب سوري ـ باريس


mohaklouf@yahoo.fr

 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010