2 سبتمبر 2010 - 23 رمضان 1431 هـ العدد 11033
الخميس
 
 
  2007-11-25 01:44:51 UAE
  علي النجار: نحن الساكنين تربة النبوءات لا يعقل ألا تزورنا أطياف الشياطين
  لا رهبة من بياض المسطحات الفارغة ما دام ثمة عشق لهذا الفراغ
 
 

في حوار له مع «البيان» على هامش مشاركته في ندوة «الفن الفطري» بالشارقة يعرف الفنان العراقي علي النجار عن نفسه قائلا: ربما لامتلاكي بذرة تمرد عصية على المطاوعة امتلكتني منذ الصغر، سببا في كوني كنت أجرب طرقا فنية لا تمت للمنهج الدراسي وحتى في الامتحانات التقويمية التي كانت فيها درجاتي التحصيلية تتفاوت وحسب قناعة الأستاذ بفعلتي التجريبية.


ولاحقا كانت أفضل مفارقاتي التشكيلية، ان نتاجي حمل عنوانا مغايرا لكل فترات حروبنا العراقية العبثية. فخلال عقد الثمانينات وحتى امتدادا للتسعينات كان عنوان معارضي هو (عالم بريء) ولم أكن مجنونا. بل كنت مصدوما يبحث عن خلاصه في عالم أنقى من كارثته المحيطية، وللحد الذي أنتجت فيه معرضا كاملا وانأ أعيش لوحدي في منزلي الذي هو قريب من معسكر الرشيد في بغداد،وكانت القاذفات تحوطني في زمن حرب الخليج. وحمل العرض هذا والذي أقمته في عام الحرب(91) العنوان نفسه (عالم بريء).


ـ من بياض الثلج إلى بياض الرهبة أو التأمل أو الحيرة أو الفزع.. حين تقف أمام صفحتك البيضاء كيف تتعامل معها؟


ـ إن كان العمل خيالا صرفا، ادعه يقودني. وبنفس الوقت استفز أدواتي التقنية لملاحقته. وان كان الحافز ألما اخترقني، فإن خيالاته تؤرقني أو ترجعني لرحم الأرض طالبا خلاصا، ليس اندثارا، بقدر كونه تنقيبا.


وان كنت أحاول تثقيف ذاتي من معارف محيطي وبيئتي ومن صور العالم التي تغمرنا مؤخرا بكل ثقلها.فما علي إلا ترويض هذا الزخم الصوري وإرجاعه إلى خطوطي الاختزالية التي أودها، فعالمي تصنعه خيالات مائية لا ترابية. فلا رهبة لي من بياض مسطحاتي الفارغة مادمت اعشق هذا الفراغ.


ـ هل ثمة كائن خرافي زارك، بالرغم من إمكانية استبدال الافتقاد بالموت وغير ذلك من الأسماء.. وأسميته أنت اليقين باستمرار الحياة؟


ـ نحن الساكنين تربة النبوءات. لا يعقل أن لا تزورنا أطياف شياطين مدروسة كانت تتحكم بذهنية أجدادنا المدروسين منذ أقدم قرية استيطانية سومرية على ضفاف النهرين. وان كان الموت ميثولوجيا عبورنا لعالم المجهول، فالمجهول يشكل استفزازا للفكر البكر. وان حاولت أن ارجع لمصادري البكر من هذا المورث فسوف يغمرني بعوالمه.


في سبتمبر من عام (1993) اخترق جسدي ورم خبيث وافقدني مثانتي، وحين استيقظت من إغفاءة التخدير دخلت مباشرة في ثقب الأرض ومررت على الطبقات السبع بأناسها الذين يتلظون بنار جهنم. فهل الصورة هذه اخترقتني من الفراغ؟


وكانت بعض أعمالي عن مشروع هذا المرض تستقي مشهديها من هذه الرؤيا. وان تكن مشهديه تنبؤية، فهي مشهدية أيقظتها جيناتنا الوراثية. وشكرا لها لأنها أرجعتني لعالمي الذي كنت مرشحا لافتقاده.


ـ من غويا الأسباني إلى جدارية محمود درويش..ثمة فهم جديد للحياة عن الموت.. هل هو القلب أم الوهم.. وفي حالات الرمق الأخير لا ربط للروح فيها بالجسد؟ ولا ربط للجغرافيا أيضا بالفن؟


ـ اردد دوما أن لي قبرين. قبر مثانتي الذي تركته لا ادري أين، لكنه يبقى قبرا في بغداد، وقبري الثاني والذي لا أدري كذلك أين ستكون تربته. وأنا ما بين قبرين افتراضيين امتلك يومي قدرا محتما لأنجزه بما أوده لا أن أدثره بركام قبوري.


وان تعرضت لانتهاكات جسدي، فاني استفزه بمحاولات قدرتي عبور تجاوزاته لبهجة افتقدتها من خلاله. وان تكن لامست المجهول فسوف يكون إدراكك لعالمك أغنى واشمل. وما القلب إلا نبضا يديم موسيقى الروح.


مع كل ذلك فانا مهووس بجغرافياتي التي استوطنتني لونا ووجدانا. واعتقد بان العمل الفني بدون تراكمات جغرافياه وطوبوغرافيتها الوجدانية، سوف يكون فقيرا ولا يلامس إلا بعضا من عناصر بهرجته.


ـ هجرت الضوء سعيا لأمان يرتجى.. هل رسمت تصوراتك عن فن ما؟ ولماذا الشاش الطبي والأحمر القاني بتدريجاته؟ هل للهروب من الأبيض إلى الألوان أخرى علاقة بذلك الكائن الخرافي؟


ـ بالحقيقة لم اهجر شيئا. بل، أن كل الأشياء هجرتني. صحتي تضاءلت، بل حتى هيئتي الجسدية تضاءلت. قدراتي الفنية تضاءلت. إمكانياتي المادية، والتي عليها أن تستوفي نفقاتي وزوجتي وأولادي


لم تعد متوفرة، وحتى علاجي أو مستلزمات إدامة أو ترميم بعض خروقات جسدي لم تعد متوفرة. وكانت هجرتي لبلاد البرد(السويد) في عام (99)ضربة نرد لا أكثر. واعتقدها موفقة، لما وفرته لي من مجال رعاية صحية فائقة ومن تفرغ وسعة اطلاع.


ان كانت العين راغبة في التلصص على المنجز الفني لكل شعوب الأرض. وهذا ما أوده أنا. فبالتأكيد سوف تلتقط الكثير، وتخزن الكثير، وتلفظ الأكثر. لكن ما يترسب أخيرا هو الإدراك الذاتي الذي حركه هذا الخزين وبدون أن نشعر به.


هذا أولا. ويبقى ثانيا أود أن يوفر لي هذا الخزين البصري والثقافي مجالا للاشتغال على المناطق التعبيرية أو العناوين التشكيلية المختلفة والمتغايرة. وهذا ما أحاوله من خلال قيادة تقنيتي أو أشكالي المشخصة أو المجردة بهاجس التشخيص لولوج عوالم مختلفة.


الفن الآن يشتغل على منطقة أدائية شاسعة ولا يوفر أي مادة أو تفصيل. والشاش الطبي هو وثيقتي المرضية التي يتشكل منها معرض (لغة الجسد) الذي استوحيته من أيام المرض والذي انتهيت منه في عام(2004).


والتي كانت بعض أعماله المنجزة تتشكل ضمن بعض وثائقه الأخرى أيضا. فحتى صور الأشعة أو التقرير السريري أو حتى جسدي الذي أودعته شرشفا، أو الأهم خيالاتي التي رافقتني في لحظاته الحرجة، تجدها مبعثرة خلال فضاءات هذه الأعمال. ولم استطع الإفلات من وقع الحالة التعبيرية للمرض والذي يشكل اللون الأحمر إحدى توهجاته. حال هذه الحالة، حال معظم الأعمال التعبيرية في العالم التشكيلي.


وما دامت تساؤلاتك مرتبطة بهذه الأعمال.فلا استطيع أن أجيب إلا بكون هذا المرض أو العلة، ما هو إلا كائن خرافي يجهد لأن يسد كل مسامات المساحة البيضاء أمام مخيلتي. فإن كان فنتازيا عذبا في أعمالي العراقية السابقة. فانه تشكل بهيئة وحش هوايته تلويث هذا البياض.


ـ كيف يمكن الجمع بين أعلى درجات الفنتازيا وما وراء الميتافيزيقي والتجريد والتصوير الفوتوغرافي؟


ـ لسنوات عديدة سابقة كنت فنتازياً متمرسا، مما حدا بالمرحوم (شاكر حسن آل سعيد) لأن يصنفني في خانة (الميتافيزيقا العراقية). ولم يكن الوحيد فقد كان المرحوم (جبرا إبراهيم جبرا) هو الآخر يعتقدها. وهي أيام مضت.


لكنني استرجعتها لقوة الحدث الدراماتيكي. بثنائيتها النور والظلمة،الحياة والموت. فإن كانت الفنتازيا عندي تتشكل من خلال وحدة الوجود. فقد شكلت ميتافيزيقيا (أحلام المرض) هيئتها الأخيرة.


أما تساؤلاتك الأخرى، فهي تندرج ضمن تساؤلات عن التقنية الفنية. وتحيلنا التقنية التشكيلية المعاصرة إلى الاشتغال على كل المواد وبشتى الوسائل الممكنة لإغناء مشهدية العمل التشكيلي وللحد الذي تجعل المشاهد أو كما نسميه أحيانا بالمتلقي يساهم في بعض من اللعب على بعض من مناطقه. أو محاولة ولوجه والدخول في فضاءاته.


ولقد حاولت في عرضي الأخير لهذا العام (معرض الثقافة الثالثة) الذي أقيم في كل من هلسنكي وكوبنهاجن في هذا العام، من إشراك المتلقي لاستكشاف بعض مناطقه ومن خلال عبور بعض فراغاته.


ـ وهل للجمع بين الأيديولوجيا والفن من إسقاطات للشغل على الفن التركيبي.. وعلاقة هذا بالأرض والفضاء أو الزمكانية؟


ـ لا اعتقد بان منجز الفن التشكيلي يكمن في الأيديولوجيا في وقتنا الحالي. بل بالفكر التفكيكي الذي سعت محاولاته لتفكيك كل النظم الفكرية والإدراكية. فالفن الأيديولوجي فقير للحد الذي لا يستغني عن مدلولاته فقط، والذي يكرس نمطه اداءً مقدساً.


ولنا في البنائيين الروسيين قبل ستالين مثلا. والتي انطمرت مشاريعهم التشكيلية الريادية بعنف إيديولوجيته الشمولية. ومع تشعب طرق وأدوات الأداء الفني والتشكيل من بعضه في زمننا المعولم، انفتحت علبة السحر وبات من المستحيل غلقها.


وهناك مثل على هذا في مقالتي عن ترينالي كرافيك فالون الذي أقيم في السويد وانتهى عرضه قبل أيام. إذ لم توفر هذه الأعمال معظم مناطق الأداء التشكيلي المغاير للمألوف إلا وأخرجت أعمالها من خلالها.


وكان من وسائطها الحجر وأحواض البلاستك وعلب اللعب والفيديو وشرائح الألمنيوم والعديد من الهيئات (الفورمات) المصنعة وغير ذلك. كما اختلط الأداء الميكانيكي بالديجتال واليدوي. وان كانت الحركة تمثل زمانا، وهي كذلك. فإن معظم المعلقات تمثل فضاءً. وأنا اعتقد أن أعمالي تستبطن زمنا استرجاعياً رغم محاولتي لسبر محيط أمكنتي. لكني اترك تقدير ذلك لغيري.


حوار: محمود أبوحامد


 

حفظ طباعةأعلى الصفحة


   
 
 
 
 
  ستنام الفتنة بخروج المحتل
ابو احمد - الإمارات
  مثال يحتذى به
محمد حميد - الإمارات
  اهتموا بالمضمون قبل الشكل
ابو احمد - الإمارات
  إسرائيل كيان عدوان لا يتعايش مع السلام
مصطفى عزت الهبرة - الإمارات
  أمن اسرائيل ......و حرمة المسجد الأقصى
محمد محمد نصر محمود - سوريا
  رف يا علم في عالي الساريه رف
بوسعيد - الإمارات
  خير جليس في هذه الدنيا كتاب
عصمت غزال - الإمارات
  فلسفة فارياس
ابو ريان - السعودية
  الاسعار مرتفعة جدا
محمد علي - الإمارات
  كل سنة وانت بالف خير
محمد علي مياسي - الإمارات
 
 
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر 2010