تغمرنا السعادة حين نرى معارض الكتب وهي تتألق بإقبال واسع من كافة أفراد المجتمع ومن كافة المستويات الثقافية والعلمية. ومما يساهم في تعزيز هذه الثقافة الحميدة، وتقريب أفراد المجتمع من عالم الكتاب الواسع، وتربية النشء على هذا النسق، أن تلك المعارض وجدت لتظل ركيزة أساسية في بناء الأفراد ونهضة الوطن. وباعتبارنا أمة (اقرأ)؛ لا بد أن نقرأ، فالقراءة تنمي شخصية الفرد منذ الصغر، وتسهم في بناء هويته الثقافية بثقة واقتدار.
إن تنمية ثقافة القراءة لا تتوقف فقط على الدور المحدد للمدرسة، بل هي مسؤولية ممتدة تشمل البيت كذلك، اليوم نجد أن كثيراً من الأسر تركز اهتمامها على شراء أشهى أصناف الطعام والشراب، وأفخم السيارات، وأحدث الموبايلات، وتحرص على متابعة الجديد في عالم الموضة والأناقة، وفي المقابل لا تكترث إطلاقاً لاقتناء كتاب أو توفير مكتبة في البيت، الأمر الذي ينعكس سلباً حتماً على شخصية الطفل منذ الصغر.
والذي ستجده يفتقد للنموذج الذي يمكن أن يحاكيه في بقية مراحل حياته، وحتى عندما يذهب الطفل إلى المدرسة، نجده لا يتعامل مع الكتاب بشيء من المتعة، بل ينظر إليه على أنه عدو، فالمطلوب من التلميذ النجاح في مرحلة، ثم تجاوز الكتاب أو إلقائه في سلة المهملات للأسف.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين دور البيت والمدرسة في ترغيب الطفل على القراءة؟ وكيف نجعل القراءة وحب اقتناء الكتب عملية جاذبة تستهوي الصغار؟ وأود أن أذكر هنا: أنني لا يمكن أن أنسى دور معلمي في السبعينات عندما كنت طفلاً بالصف الأول الابتدائي، وهو يوجهنا لاقتناء كتاب آنذاك، اسمه (زرع وحصد) وهو يحوي كافة الحروف والجمل، ويمكن له أن يساعد في علاج عيوب القراءة والكتابة. فكم كان معلمنا يتحامل على نفسه حين يبادر بتدريسنا هذا الكتاب في حصص الاحتياط أو بعد نهاية اليوم الدراسي.. مجرد موقف يستحق الذكر علَّنا نتخذه حافزاً فنبادر في حب القراءة.
آن الأوان أن نزرع بذور العلم والمعرفة من خلال الحث على القراءة، والحض على اقتناء الكتب، والتدقيق الشديد في مناهج الدراسة التأسيسية، وعلى معلميها، وآن الأوان أيضاً أن نعيد الحياة إلى مكتباتنا المهجورة، وأن ننظم حصص اللغة العربية وفق آلية محددة ومنهجية دقيقة بعيداً عن الشكليات الفارغة التي لا تفرز إلا أفراداً لا يجيدون القراءة، ولا حب الكتاب، فالسؤال القديم الجديد لا يزال وحيداً: متى نعيد للكتاب (المدرسي أو الخارجي) هيبته التي يستحق؟!
