عند الحديث عن هيبة المعلم والأسباب الحقيقية التي جعلته يفقد احترامه أمام الطلبة، تبرز الدروس الخصوصية كأحد أبرز هذه الأسباب التي جعلت من المعلم، صاحب حاجة لا يجد من يسد حاجته سوى الطلبة وأولياء الأمور الذين يستقبلونه في بيوتهم، ويغدقون عليه بالمال بحثاً عن منافع ذاتية، وبالتالي فهو لن يتوانى عن منح الطالب ما يحتاجه من بعض العلامات التي تجعله يتباهى بها أمام زملائه.
الدروس الخصوصية وإن كانت سبباً، لكنها ليست السبب الرئيس في تراجع هيبة المعلم. فعندما كنا صغاراً كان المعلمون الذين يتعاطون الدروس الخصوصية كثراً، ولكن هيبتهم لم تهتز أبداً، وظلوا محافظين على مكانتهم أمام طلبتهم دون خلل، فما زلت أذكر معلم الرياضيات الذي كان يعيش في منطقتنا «فريجنا» ويسكن في شقتين، خصص إحداهما لاستقبال الطلبة من العصر وحتى منتصف الليل، خاصة في أيام الامتحانات..
هذا المعلم الذي كان معروفاً عند جميع الأهالي، صاحب هيبة يرتعب منه الطلبة كلما ذُكر اسمه في مكان. وكان مدير المدرسة يستعين به للتعامل مع الطلبة المشاغبين كلما استدعت الحاجة، ولم أر طوال ثلاث سنوات قضيتها في المدرسة أي طالب يتطاول عليه، حتى لو كان هذا الطالب من الطلبة الذين يذهبون إليه في بيته لغرض الدروس الخصوصية.
المعلم باعتقادي هو من يفرض هيبته على الجميع، ولن يكتسبها بمجرد أنه معلم وأنا طالب، المعلم كان يرتبط بعلاقات اجتماعية قوية، ليس في محيط المدرسة فقط، بل في المنطقة المحيطة بالمدرسة. وكان أهالينا يعرفون معلمينا بأسمائهم وأعمارهم وأبنائهم. ولا تمر مناسبة اجتماعية إلا وتجد المعلم أول المدعوين. وعندما يخطى الابن يهدده الأب بالمعلم. وعندما كان يضربنا المعلم ونذهب نشكو لأولياء أمورنا بأن المعلم قد ضربنا، يردون علينا بالقول: «تستاهلون.. أكيد مسوين شي غلط.. المعلم ما يضرب بدون سبب».
نعم، أولياء الأمور بيدهم الكثير ليقدموه في قضية هيبة المعلم، فالدفاع المستميت عن أبنائهم بسبب ومن دون سبب، ورفضهم التعاون مع المدرسة لن يؤدي في النهاية، إلا إلى خلل في هذه العلاقة. فما أحلى تلك الأيام، الأيام التي كنا نخاف فيها من الذهاب إلى المدرسة متأخرين، والخوف من عدم حل الواجبات، والخوف من مرورنا أمام بيت المعلم، والخوف من نسيان كتبنا، والخوف والرعب من تهديدنا باستدعاء ولي أمرنا.
