من يستطيع العودة بذاكرته إلى جلسات الماضي للآباء والأجداد، وعلى الرغم من محدودية معرفتهم بأمور القراءة والكتابة، لظروف شح أو انعدام فرص التعليم في الماضي، سيجد أن محصلتهم المعرفية في أمور الحياة والثقافة العامة تبدو كبيرة جداً وتفوق في مبدأ النسبة والتناسب مخرجاتهم مقابل المدخلات.
أي منا حظي بتلك الفرصة، سيدرك تماماً أنه يجلس في ظلال موسوعة معرفية في اللغة والدين والحساب والعلوم والبحر والطقس والسياسة.. إلخ، من أين أتى أباؤنا بكل هذا، وكيف تشكل لديهم هذا الكم المعرفي، والجميع يعلم كيف كانت حياتهم قبل عشرات السنوات!
لا ننكر من أي باب كان، أن الواقع المعلوماتي الذي بصدده جيل اليوم يفوق عشرات بل مئات وربما آلاف المرات الواقع الذي كان عليه آباؤنا وأجدادنا من الأولين، ولكن الفارق بين الطرفين لا يبدو لصالح أبنائنا المنشغلين بأدوات التكنولوجيا التي لا تعد ولا تحصى، وبسؤال بديهي بسيط يمكن لك أن تكشف حجم المأساة التي يعيشها أبناء هذا الجيل المأسور قصراً بمغريات مادية لا تفارق أسلوب حياتهم إطلاقاً. يمكن أن نقول ان أباءنا في الماضي القريب، كانوا شعلة من النشاط الاجتماعي والتقارب الثقافي والأسري.
وكم كانت حياتهم مفعمة بالمجالس والزيارات التي لا حصر لموضوعاتها، وتلك الملامح، إضافة إلى ثقافة حب الاطلاع والمعرفة الفطرية التي كانت مغروسة في جيل الماضي، أهلت رجاله إلى ما صاروا عليه من واقع ثقافي ومعرفي يفوق واقعهم المادي والتعليمي بمرات كثيرة.
الحاصل اليوم أن أبناء هذا الجيل يعيشون حالة انسلاخ متنامية عن محيطهم الاجتماعي والثقافي وربما العربي، وهو ما ترك في نفوسهم إحجاماً متواصلاً عن تأصيل واقع الثقافة العامة لديهم، وأصبحوا يهيمون في بحور من القشور والإكسسوارات والكماليات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
المطلوب من القائمين على أمر التعليم، ومن قبلهم المربين (الآباء والأمهات)، أن ينظروا أولاً إلى واقع أبنائهم من المحيط الاجتماعي الذي ينتمون إليه، وإلى مدى ملامستهم لظروف حياتهم اليومية، لا أن تكون النظرة أكاديمية وحسب.
حيث ان المعرفة والثقافة العامة، هي نتاج لما يعايشه الفرد من متغيرات وأسباب وعوامل ومؤثرات وتجارب ومواقف في هذه الحياة، وكفى بالتجارب والمواقف معلماً!. أمام هذا الواقع، لا بد أن ننظر إلى أبنائنا، وأن نقرن حالة التأخر المعرفي والثقافي التي يعايشونها اليوم، بموقف يتكرر في كل بيت، على النحو التالي:
الطالب يذهب إلى المدرسة، ويعود فلا يجد بيئة تحفزه على الجلوس مع أم أو أب أو حتى أقارب، الجميع منشغلون، فلا يجد أمامه سوى الموبايل والإنترنت، ومعهما يحجر نفسه في غرفة مغلقة، ثم ينسجم مع عالم افتراضي دون أن يلمس في ذهنه منه شيئاً.. فكيف نريد لأبنائنا المعرفة والثقافة العامة وهم على هذا المنوال في حياتهم العصرية؟!
