القناعة كنز لا يفنى.. حكمة جميلة نسمعها بين الحين والآخر، لبثّ روح الأمل والتفاؤل في خلجات النفوس، فيحيا بها الخلق بسعادة لا متناهية، وخيوط الأمل تمتدّ إلى الأفق، لنمشي تحت ظلالها، ونكمل مسيرتنا برضا وقناعة. لكن هذه الكلمات التي تسطر بحروف من ذهب في كتب الأخلاق والنبل لا يعقلها كثير من البشر.

ولا يدركون قيمتها، فترى السخط يزداد في نفوسهم لضعف القناعة، فلا يرضيهم طعام يشبعهم، ولا لباس يواريهم، ولا مراكب تحملهم، ولا مساكن تأويهم، حيث يطمعون في المزيد، ولن يشبعهم شيء؛ لأن أبصارهـم وبصائرهـم تنظـر إلى من هم فوقهم، ولا تُبصر من هم تحتهم، فيزدرون نعمة الله عليهم.

ومهما أوتوا طلبوا المزيد؛ فهم كشارب ماء البحر لا يـرتـوي أبداً. من كان كذلك فلن يحصل على السعادة أبداً؛ لأن سعادته لا تتحقق إلا إذا أصبح أعلى الناس في كل شيء، وهــــذا أبعد من المحال؛ ذلك أن الإنسان إن كملت له أشياء قصرت عنه أشياء، وإن علا بأمور سفلت به أمور، ويأبى الله سبحانه وتعالى، الكمال المطلق لأحد من خلقه كائناً من كان؛ لذا كانت الـقـناعة والرضى، من النعم العظيمة والمنح الجليلة التي يُغبط عليها صاحبها.

ويرتقي بها الإنسان في نظر نفسه وفي نظر غيره. مع تفاقم المتطلبات، وتضاعف الاحتياجات، وتزايد السعي وراء المال والجاه والعلم، نرى من يعمل بكل جهد واجتهاد، ساعياً وراء الأفضل. وفي المقابل، نجد من ينتظر أن تمطر عليه السماء مالاً وهو يأخذ قسطاً من الراحة، يتبعه بقسط آخر ثم آخر، وهكذا تمضي أيامه ليجد نفسه في آخر المطاف عند نقطة البداية، ثم يردد في نفسه: «لا بأس، القناعة كنز لا يفنى»، فأي قناعة تلك التي تجعل الانسان مقيداً لا يحرك ساكناً؟،

وأي إنسان هذا الذي لا يزال حتى اللحظة لا يستطيع التمييز بين القناعة والتواكل!. على الإنسان أن يسعى ويعمل حتى ينجح، ثم يقول: أكتفي بهذا القدر وسأواصل بعد فاصل من التأمل والتفكير وإعادة ترتيب الأوليات، فكثير من الناس هذه الأيام ذو «عقل سنجابي»، فالسناجب تفتقر إلى القدرة على التنظيم رغم نشاطها وحيويتها، فهي تقضي عمرها في قطف وتخزين ثمار البندق بكميات أكبر بكثير من حاجتها، أما القناعة فهي صمام الأمان للطموح، وهي التي تتوجه وتجعل صاحبها يسعد ويشعر بجمال إنجازه مهما كان صغيراً، أو على الأقل تجعله راضياً بعد جده واجتهاده. عزيزي القارئ..

إن الحياة هذه ليست سوى مسرح كبير، وما الرجال والنساء إلا ممثلين يلعبون أدوارهم كما رسمت لهم، فالرضا نعمة كبيرة، والإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، والإنسان راحل عن هذه الحياة لا محالة. لكن الفرق أن هناك من يذهب تاركاً بصمة وذكرى طيبة، عن حسن أخلاقه وطيب نفسه وعزتها، وآخر يذهب تاركاً خلفه ماضياً مليئاً بالطمع والجشع والذل.