سأعود إلى عشرات قليلة من سنوات مضت، كنا فيها طلاباً على مقاعد الدراسة، ولا هم أمامنا سوى التعليم والنجاح.. أيام واجهتنا فيها صعوبات لا تعد ولا تحصى، ورغم كل ذلك واصلنا خطواتنا المرتبكة أحياناً للوصول إلى عتبة النجاح والتأهل للمستقبل بدراسة جامعية تمنحنا أفقاً أرحب للعيش الكريم.
في السابق ومن واقع تجربة شخصية عايشها الكثيرون غيري، كان المعلم في مقدمة الصفوف، يهابه الطالب كما يوقره ولي الأمر، ويحرص المدير على منحه الثقة التي يحتاجها لمواصلة أداء رسالته على الوجه الذي يرضي ضميره، وفي السابق أيضاً كانت النتائج على صعيد الالتزام والتربية والتعليم، أكثر إيجابية، .
وإن شابها بعض الخلل على صعيد العلاقة بين المعلم والطالب، بحكم حالة الشدة التي كانت تميز المعلم آنذاك.
لن أطيل في الحديث عن ذكريات مضت، وسأعود لأسرد بعض الواقع الذي نعيشه نحن التربويون هذه الأيام التي لم تعد تشبه سابقتها من أي باب يذكر، وقد اختلفت معايير كثيرة، وتناثرت متغيرات عديدة، فطالب اليوم ليس ذلك الطالب الذي يتلقى المعلومة من معلمه وحسب، .
وليس ذلك الشخص الذي لا يدرك من مستقبله إلا ما يكنّه في داخله على هيئة حلم، إنما تجده إنساناً متفتحاً وملماً بكثير من الأدوات، وقادراً على استلهام رؤية مستقبلية مختلفة ربما عن توقعات معلمه أو والده.
من واقع تجربتي في المدرسة التي أعمل بها، فقد عايشت مواقف عديدة أهلتني للبحث عن تفسير لشكل العلاقة الأكثر نجاحاً والأوفر حظاً وتوفيقاً بين الطالب والمعلم، والتي أراها لا تبتعد كثيراً عن وصف الصداقة المنضبطة في حدود منطقية، .
فالمعلم هذه الأيام لا يمكنه أن يتقمص شخصية معلم التسعينات أو الثمانينات لأسباب يعرفها الكثيرون تتعلق بمتغيرات الوسائل والأدوات وتَفتُّح الأذهان والاطلاع على فضاءات أرحب من العالم، وهو ما يجبر تلك العلاقة على التشبث بأوجه أخرى أكثر واقعية.
حاولت كمشرف إداري في إحدى المدارس الخاصة، أن أتعامل مع الطلبة بطرق ووسائل وآليات مختلفة خلال سنوات عملي الماضية، واجهت صعوبة في كثير من المرات، قبل أن أدرك أن الصداقة الصادقة هي المفتاح إلى إيجابيات لا تعد ولا تحصى في جانب التزام الطالب في المدرسة واحترامه وتقديره للمعلم والمدير وحتى «الفراش»..
الأهم من كل ما سبق، أنني وكما أحسب، أدركت أن الطالب هذه الأيام يعيش حالات متكررة من الغربة، فهو غريب في بيته بفعل التصاقه بمفردات التقنية بعيداً عن الأجواء الأسرية المهمة في تنشئة الأجيال، وغريب عن والديه اللذين انشغلا بالعمل والوظيفة، وغريب عن الأصدقاء الذين تحوم حولهم دوائر كثيرة من الخوف والريبة والشك في نواياهم..
كل تلك الأمور أفرزت في داخل الطالب المراهق حالة خاصة، جعلته يعيش واقعه بتمرد لا يدركه، ذلك التمرد لا يمكن له أن يبهت وينتهي إلا في حالة وحيدة، وهي الشعور بالثقة والتسليم لعلاقة صادقة تربطه مع شخص يود أن يجده، ومن هنا حرصت على أن أكون ذلك الشخص الذي يصادق طلبته، فكسبت أكثر مما كنت أتوقع.
في الحقيقة، إني أعيش أجمل أيام حياتي وأنا أجلس مع طلبتي أتبادل معهم همومهم وطموحاتهم ومشكلاتهم، تماماً كما لو كنت طالباً مثلهم.
