الغوص في أعماق الماضي يهب الحاضر قيمة ومتعة، ويدعو الأجيال التي ترعرعت في أحضان التكنولوجيا والرفاهية إلى التأمل في حياة الآباء والأجداد، الذين سخروا جل حياتهم لتوفير لقمة العيش وحسب، وقد تنقلوا من بلاد إلى أخرى ليس للترويح عن أنفسهم، كما يفعل شباب اليوم، إنما سعياً لكسب الرزق، فحياة الذين سبقونا بآلامها وأفراحها وأتراحها لابد أن تُغرس فصولها في عقول النشء، لتكون دروساً يستند الأبناء على مفرداتها المليئة بالتفاؤل والإصرار.. وذلك ما حرصت عليه مدرسة الصفوح الثانوية التي استقبلت بالتنسيق مع استراحة الشواب في دبي، مجموعة من كبار السن، وخصصت لهم برامج وفعاليات متنوعة، وذلك تكريماً لهم بمناسبة اليوم العالمي للمسنين.
عن ذلك قالت عائشة غريب معلمة مادة الاقتصاد، إن كبار السن فئة تستحق كل الاحترام والتقدير، وإنه مهما قُدم لهم من خدمات تبقى أفضالهم كثيرة، وذلك لما تجرعوه من متاعب وتحديات تجاوزوها بالاعتماد على طاقاتهم الفردية والجماعية، مشيرة إلى أن الحديث مع كبار السن يغرس في نفوس الأبناء العديد من أساسيات الحياة، فهم خير مثال على التراحم والتكاتف، ونموذج يحتذى به في الصبر من أجل الوصول إلى الغاية، وهم حتماً مدارس في العادات والتقاليد والكثير من الصفات والأخلاق الحميدة التي يجب أن يُصقل بها أبناء الجيل الحالي.
وأكدت غريب أن لقاء الطالبات مع كبار السن جاء لتحقيق مجموعة من الأهداف يأتي في مقدمتها توضيح بعض الحقائق التي يتجاهلها الأبناء اليوم عن حياة الآباء والأجداد، وتغذية عقول الطالبات بخبرات الحياة التي يختزنها كبار السن في عقولهم، وغرس قيم الاحترام والتقدير لهذه الشريحة في المجتمع.وأعربت الطالبة العنود أحمد التي بادرت إلى المشاركة في تنظيم حفل استقبال كبار السن، عن سعادتها بلقاء هذه الشريحة المهمة في المجتمع والتحدث معها، والاستماع إلى الأمثال الشعبية والكلمات التراثية التي تغنى بها كبار السن.
مؤكدة أن مجالسة المسنين غرست في نفسها حب التطوع لمساعدتهم، وقد لمست أنهم بحاجة إلى من يستمع إليهم، ويقترب منهم، لأنهم يشعرون بالوحدة والغربة، وافتقار الأصدقاء، لذلك ترتسم الابتسامة على شفاهم عندما يجدون من يسأل عنهم ويهتم لأمرهم.تؤيدها في ذلك الطالبة مريم حمد التي قالت إن العلاقة الودية التي جمعت كبار السن مع الطالبات، عكست الحاجة لرعاية خاصة لكبار السن وتقديم الخدمات الكافية لهم، لأن ذلك يقوي من عزيمتهم ويكسبهم مناعة ضد الاكتئاب واليأس.
فلابد من تلبية احتياجاتهم، ومراعاة كبر سنهم، والقيام بممارسات تشعرهم بأهميتهم في المجتمع، حتى لا يصلون إلى الإحساس باليأس وبأنهم عديمو الفائدة، ويكون ذلك بسؤال المسن عن ماضيه وذكرياته وإنجازاته، لأنه يتذكر جيداً الأعمال التي قام بها في شبابه، ويرغب في الحديث عنها بنفسه أو التحدث عنها مع غيره.
أصداء طيبة
وفي السياق ذاته، أضافت الطالبة فاطمة مروان إن حرص المعلمات على تكريم المسنين، ترك أصداء طيبة في نفوس الطالبات، وقد انعكس ذلك في غرس قيم الاحترام والتقدير لكبار السن في المجتمع، وأهمية العمل على إسعادهم وتقديم الرعاية لهم، كما كان هناك تنافس بين الطالبات في المشاركة ببرامج الفعالية المتنوعة، وتقديم أفكار تسهم في إدخال السعادة في نفوس المسنين وتنشيط ذاكرتهم، وقد تحقق ذلك من خلال عمل العديد من الفقرات التراثية التي شارك فيها كبار السن بفاعلية.
تناغم الصغار والكبار
ثمنت فاطمة عبدالعزيز الاختصاصية الاجتماعية في مركز استراحة الشواب، الجهود التي تبذلها المؤسسات المختلفة في التخفيف عن كاهل فئة كبار السن، وذلك من خلال دمجهم مع فئات المجتمع الأخرى في مختلف المناسبات، ما يكمل دور الجهود التي يسعى المركز إلى تحقيقها عبر خلق بيئة نموذجية لرعاية كبار السن. وأوضحت أن انسجام الأبناء مع كبار السن سواء الآباء أو الأجداد مطلب أساسي في وقت تشهد فيه العديد من العلاقات الأسرية صراعات وتصدعات.
وذلك بسبب انشغال أولياء الأمور، وضعف التوجيه من قبلهم للأبناء الذين انصب تركيزهم اليوم على التقنيات الحديثة، ما أدى إلى غياب الحوار والنقاش حتى في الجلسات الأسرية، فأصبح التفاهم بين أفراد الأسرة ضعيفاً، والترابط بين أفرادها متزعزعاً، لذلك لابد من إعادة ترميم هذه العلاقة التي هي أساس تكاتف المجتمع، ثم إعادة صياغة مفاهيمها، حتى يوقر الصغير الكبير، وذلك أمر مهم للجميع.

