علي محمد كان قد ترك المدرسة منذ الصف العاشر، بسبب رغباته غير المبررة، باقتناء سيارة جديدة وفارهة تتسع له ولأصدقائه، إضافة إلى العديد من الأحلام التي واجه صعوبة في تحقيق أبسطها، وذلك بعد أن أقنع نفسه من خلال عملية حسابية غير منطقية، إذ جمع مصروف السنوات الدراسية، وقارنه بالمبلغ المالي الذي سوف يحصل عليه من العمل لمدة عامين، أملاً في تحقيق أمنياته، لكن وبعد أعوام عدة من العمل، أدرك أن عمليته الحسابية خاطئة، مما أجبره على أن يكمل دراسته، عبر الالتحاق بمراكز تعليم الكبار، وذلك بعد أن عض أصابع الندم.
عوامل ممهدة
وأضاف إن هناك العديد من العوامل التي مهدت خروجه من المدرسة، منها الهروب اليومي من الحصص برفقة أصدقائه، وهو ما أدى إلى العديد من الصعوبات الدراسية، مثل رسوبه المتكرر وإحساسه بالفشل وعدم السيطرة على الكم الكبير من الدروس التي تراكمت عليه.
وعزا محمد هذه الأسباب إلى قلة الوعي بأهمية الدراسة من قبل العديد من أولياء الأمور، وضعف الثقافة العامة في المجتمع سابقاً، مشيراً إلى أن الوضع اختلف اليوم، وأصبح التواصل مع ولي الأمر يردع الطالب من الهروب والغياب، كما أن الإجراءات التي تتبعها إدارات المدارس تحفز الطالب على إتمام مراحل التعليم، بالإضافة إلى غرس حب الدارسة في نفوس الصغار والمراهقين على حد سواء.
خروج عن المألوف
حول ذلك قال الدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن الإنسان يمر بمراحل متعددة في عمره، لذلك تختلجه الرغبة في التنقل الذاتي والخروج عن المألوف ليختار ما يشتهي لا ما يريد، ويرجع ذلك إلى العديد من العوامل الداخلية والخارجية التي يتأثر بها ويؤثر فيها، فالعوامل الداخلية هي عبارة عن إملاءات وحوادث الزمن التي شكلت شخصيته، فيصبح لا إرادياً إما عدوانياً منفرداً في قراراته أو مطيعاً لمن حوله.
وتتمثل العوامل الخارجية، بحسب الجابري في محيط الشخص الأسري والأصدقاء، فإذا تخلت الأسرة وسلمت الابن ليصاغ من قبل أصدقائه الذين يشربون من نفس الفكر المضمحل، فيكونوا فئة خارجة عن الضابط العام، وهنا يقع التأثير الأكبر على الأسرة، إذ كلما زاد ترابطها قل تشرب الأبناء للأفكار الخارجية، والتي تتعدد مصادرها بشكل يصعب السيطرة عليها.
وأشار الدكتور الجابري إلى أن التفكك الأسري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة «التسرب المدرسي»، فأعراضه تكمن في الرسوب المتكرر عند الطلبة، والذي يثنيهم عن استكمال التعليم الاشتراطي ويرغمهم على التوجه إلى سوق العمل.
ويرى أن حرص جميع الجهات على تجاوز مشكلة التسرب المدرسي، لا يكون إلا بإصلاح المراحل التأسيسية التي يمر بها الطلبة منذ نعومة أظافرهم، وتأهيل المعلمين في المراحل المختلفة لزيادة التأثير في عقول الطلبة، وكبح جماح التفكير العقيم الذي تكون فيه نظرتهم أفقية وبعيدة المدى عن صياغة وتخطيط المستقبل.
تعويض وتوازن
وأضاف الجابري إن المرحلة الإعدادية من أكثر المراحل التي تتبلور فيها أفكار الطلبة للتسرب المدرسي، وذلك لدخولهم في سن المراهقة وزيادة الدافعية والنشاط التفكيري لديهم، كما أن المراهقين يستشعرون بإفرازات الغدد الرجولية، حيث يتكون عندهم انطباع جسدي مختلف، ويشعرون برغبة في تعويض ما ينتقص شخصيتهم، ويسعون لتملك كل ما يحلق في مخيلتهم، لذلك تكون تصرفاتهم غير واعية وغير مسؤولة، وتتسم بالطيش والتهور.
وإذا كان الطالب يعاني من تقيد المصروف وعدم الاهتمام من ولي الأمر، فهذا التفكير غير المبالي يدفعه إلى ترك المدرسة والبحث عن وظيفة تساعده على تحقيق التوزان المادي الذي يظن أنه بحاجة إليه للتحرر من هذا الإهمال. وأضاف أن النظرة القاصرة والحاجة للتفاخر بالمال أو السيارة أمام الأصدقاء بسبب غياب التوجيه الصحيح، تساهمان في دعم الطلبة نحو ترك المدرسة.
