الخوف الزائد على الأبناء، لا يعطي الحق للوالدين في انتهاك خصوصياتهم بشكل مباشر، ففرض السلطة عليهم لا يكون بالقوة أو الضرب أو عبارات التعنيف، بل بمصادقتهم والتقرب إلى عالمهم.
وتعلم استخدام التقنيات الحديثة التي تستحوذ على جل وقتهم، فإشعارهم بالتجسس على الأسرار التي يقومون بتدوينها في دفاتر مذكراتهم الحياتية، ينزع ثقتهم في أهاليهم، وقد يدفعهم إلى التوقف عن كتابتها أو اللجوء إلى وسائل أخرى يصعب على الأهالي الوصول إليها أو التعامل معها، حتى يشعروا بالأمان في عالم خاص لا يستطيع أحد اختراقه.
وسائل أخرى
تقول بلقيس زوانة، اختصاصية اجتماعية: إن معظم الطلبة لا يفضلون الكتابة على الورق، ويلجأون إلى وسائل أخرى تمكنهم من توثيق اللحظات التي مروا بها بحلوها ومرها، حيث يفضل بعضهم التقاط الصور، أما البعض الآخر فيحتفظ بأدوات وأشياء تذكره بموقف مر به أو ترمز إلى شخص معين.
وهناك من يجد متعة في كتابة يومياته وملاحظاته عبر المنتديات و«الفيس بوك» و«توتير»، وهذا مؤشر واضح على ذكاء الطالب وشخصيته الاجتماعية وقدرته على التخطيط للمستقبل، فالاحتفاظ بالصور والأشياء القديمة ومقاطع الفيديو والمحادثات على جهاز «البلاك بيري» أو«الماسنجر» وغيرها، تدل على رغبة الطالب في استرجاع تفاصيل حياته بعد فترة ربما ليحاسب نفسه ويحدد أخطاءه، أو ليرصد تطور أفكاره وأسلوبه في معالجة المشكلات.
أخطاء الوالدين
وحول الأخطاء التي يقع فيها الأهالي عادة، تؤكد زوانة، أن بعض الأهالي يتعدون على خصوصية أبنائهم بشكل مباشر، حيث يفتشون في أغراضهم التي ترمز إلى مذكرات حياتية مهمة بالنسبة إليهم، وأحياناً يعبثون في هواتفهم المتحركة بغرض قراءة الرسائل المخزنة وممارسة سلطتهم كأولياء أمور.
وهذا أمر في غاية الخطورة لأنه يزعزع الثقة بين الابن والوالدين، وقد يثير الكثير من المشكلات، خاصة إن كانت المذكرات مليئة بالتفاصيل المحرجة. وتنصح الاختصاصية الاجتماعية، الأهالي بمراقبة الأبناء دون أن يشعروا أنهم تحت الأضواء، وتضيف: إن كانت علاقة الوالدين بالابن أو الابنة قائمة على الصداقة والثقة، فلن يضطرا للمراقبة والتجسس، لأن أوراق الأبناء ستكون واضحة أمامهما.
رموز طلابية
أما فادي أبو دية، اختصاصي اجتماعي وخبير علم نفس، فيقول إنه لاحظ خلال سنوات عمله، أن عملية الكتابة بحد ذاتها غير موجودة في المدارس بسبب اعتماد الطلبة الكلي على الوسائل التكنولوجية الحديثة، حيث أصبحت صفحة الطالب على «الفيس البوك» و«التويتر» بمثابة دفتر مفكراته اليومية.
وهناك نسبة قليلة من الطلبة الذين يكتبون مذكراتهم الحياتية على نمط الخواطر أو الشعر الغامض الذي يحتوي على رموز لا يفهمها إلا الطالب نفسه، وقد ناقشت الكثير من الطلبة بالقصص القصيرة والقصائد التي يكتبونها، ووجدت أنهم يتكلمون عن أنفسهم بصيغة النكرة.
أسماء مستعارة
وتحدث أبو دية عن الدراسة التي أجراها بخصوص هذا الموضوع، حيث يشير إلى أنه اكتشف أن التدخل السلبي للأهل في حياة أبنائهم يدفعهم إلى ارتداء الأقنعة والاختباء خلف الأسماء المستعارة عندما يودون التعبير عن أنفسهم، وأنه ضد هذا التدخل غير المدروس، لأن على الأهل أن يُشعروا أبناءهم بأن لهم خصوصية لا يحق لأي إنسان التعدي عليها.
وأن يتقنوا استخدام التقنيات الحديثة حتى يتمكنوا من سد الفجوة الكبيرة التي سببتها الثقافة التكنولوجية بينهم وبين أبنائهم، فبإمكان الأب إضافة ابنه على صفحته على «الفيس بوك» ومراقبته بشكل غير مباشر بدلاً من أن يدع ابنه يتفوق عليه ويشعر أنه في واد وأبيه في واد آخر.
ويوضح أنه إذا تمكن الأب أو الأم من قراءة ما يكتبه الأبناء دون علمهم، فهذا أمر جيد شرط ألا تكون هناك عملية مواجهة، حتى لا يخسر الوالدان ثقة أبنائهما، ولا يصبح الشك العنوان العريض لحياتهم.
