الإبستيمولوجيا في ميدان المعرفة

يعتبر مؤلف الكتاب، الباحث علي حسين كركي، أن الإبستيمولوجيا أخذت تفرض نفسها في العصر الحاضر كعلم قائم بذاته، على الرغم من أنَّ العلم الصحيح هو موضوعها، إذ إننا نتحدَّث مثلاً عن إبستيمولوجيا الرياضيات وإبستيمولوجيا العلوم الطبيعية وإبستيمولوجيا العلوم الإنسانية، غير أن هذه النتيجة لا تخرجنا من الإطار اليوناني الذي عرف ميلاد كلمة «إبستمي».

فاليونانيون لا يخرجون من ميدان المعرفة ما نسميه اليوم:»العلم الصحيح». فقد كان علم الفلك والعلم الرياضي من العلوم المزدهرة في ذلك الوقت، هذا العلم الذي يتحدَّد بالجدلية عند أفلاطون، حيث تمثِّل عنده أرقى أنواع المعارف وأكملها، وأمَّا أرسطو فهو يرى أنَّ العلم هو أن لا نقول عبثاً. وتلتقي الإبستيمولوجيا مع نظرية المعرفة على مستوى المنهج الفلسفي المؤسِّس لموضوع بحثه.

لكن نظرية المعرفة تبدو لنا أقرب إلى الإبستيمولوجيا التركيبية التي تتخذ من تاريخ العلوم مرجعاً لا منهجاً. غير أنَّ التجانس مؤكَّد بين الإبستيمولوجيا ونظرية المعرفة، فقد قال لالاند: «إنَّ الإبستيمولوجيا هي تمهيد، فيما عادلَ جان بياجيه بين الإبستيمولوجيا ونظرية المعرفة، لأن الأولى تؤدي حتماً إلى الثانية.

ولا شك أنَّ للإبستيمولوجيا علاقة ما بتاريخ العلوم، وهي تستند بصفة أساسية إلى التاريخ الموضوعي للعلم، وهذا ما يدل عليه لفظ (لوغوس) بوصفه بحثاً عن الأسس والأصول. فالكل يبحث في أصل العلم الذي هو موضع الاهتمام، غير أنَّ الابستيمولوجيا التحليلية تعتني بالأصل بمعناه التاريخي، متبعة في ذلك المنحى الديناميكي الذي تحدَّث عنه كونت، أما الإبستيمولوجيا التركيبية التي مارسها بوانكاريه وراسل، على سبيل المثال، فهي تهتم بالأصل بمعناه المنطقي العلّي.

وهذا المعنى يقرِّبنا من المنحى الدوغماتي الإستاتيكي. ولقد أصبح من المؤكَّد اليوم أنَّ التفكير الذي يتناول موضوعات العلم الإبستيمولوجيا، قد أضحى أكثر حيويةً بفضل المشكلات التي تظهر باستمرار في مجال العلم. وأنَّ الباحثين في الإبستيمولوجيا أكثر ميلاً إلى استخدام لغة العلم نفسه، وذلك عن طريق استخدامهم لتلك الأداة الدقيقة وهي اللغة الرمزية من جهة، وعن طريق الإكثار من الاحتكاك بالوقائع ذات الطابع التاريخي، أو الوقائع ذات الطابع النفسي الارتقائي من جهة أخرى.

ويتحدَّث الكاتب كركي عن الإبستيمولوجيا الارتقائية التي شغلت بال جان بياجيه منذ بداية بحوثه، إذ إنَّه بعد أن انتهى من كتابه «مقدِّمة في الإبستيمولوجيا الارتقائية» أسَّس في عام ‬1955 (المركز الدولي للإبستيمولوجيا الارتقائية)، التابع لكلية العلوم بجامعة جنيف، والذي يميِّز الإبستيمولوجيا عند جان بياجيه وأتباعه، هو استنادها المستمر والمنضم إلى التجربة بمعناها العلمي الدقيق ــ التجريب العلمي.

ثمَّ يتحدَّث المؤلف عن مقاربة إبستيمولوجية عربية حيث يرى أن مقاربته لنظرية العلم في التراث العربي سببها أهميةُ الموضوع من جهة، وغياب الكتابة الجادة والمختصة في هذا المجال من جهة ثانية، ذلك أنَّ النص التراثي لم يكن معنياً مباشرة بهذا الموضوع، وإن كثر تناوله. فنظرية العلم قد طرحت في مداخل العلوم كمقدمات لها، ولم يبحث عنها لذاتها باعتبارها نظراً فلسفياً قائماً بذاته، ولذا نجدها مذكورة سواءً مطولة أو مقتضبة في مقدمات: علم الكلام، علم الأصول، علم المنطق.

وهذه هي التي ستشكل مباحث العلم فيها بعض ميادين البحث ومادته الأولية. كذلك، فإن أي دراسة عربية معاصرة لم تتطرَّق إلى هذا المجال، على الرغم من حيويته وأهميته. فكل ما كُتب حول نظرية العلم كان إمَّا من خارج التراث، أي عرض لنظرية العلم، مع إغفال تام للتراث.

وإمَّا من داخله لكنَّه لا يمت إلى موضوعنا بأية صلة لأنَّه جاء كلاسيكياُ يتحدَّث عن فضل العلم والتعلم وطلب العلم والحث عليه، وأيضا كيفية حصول العلم ووضعه في خدمة الإيديولوجيا. ولعلَّ البحث عن مفهوم العلم في التراث العربي ــ الإسلامي، من الأمور الشاقة والشائكة، لاشتباك هذا المصطلح مع غيره من المصطلحات. فقد ذكرت عشرات المصطلحات التي تختلط مع مصطلح العلم وتتداخل في ما بينها، وهي:

الإدراك، التصور، الحفظ، التذكر، المعرفة، الفهم، الفقه، العقل، الحكمة، علم اليقين، الفكر، الحدس، الذكاء، الخاطر، الظن، البديهة، الأوليات، الخبرة، الرأي، الفراسة. ومن هنا يمكن القول إنَّ متابعة مفهوم العلم متابعةً تحليلية ليست بالأمر النقلي أو الجمعي، بل هي عمل جدي يحتاج إلى بذل جهد كبير.

وكثير من التدقيق والدقَّة لتحليله، وبالتالي تحديد مركباته ومكوِّناته. وإنَّ التقــارب الكبير الواصل إلى حد التطابق أحياناً بين تعريف العلم أو الإبستيمولوجيا عند أصحاب المدرسة التحليلية وعند المناطقة والمتكلمين في التراث العـــربي، يثيرُ الســؤال عن المصــدر المشترك المحتمل الذي استقى منه كلا الطرفين تعريفه. إنَّ نظرية المعرفة وعلى الرغم مــن تقادمهــا تبقــى أسئلتها قائمة: هل العلــم ممكن؟ ما قوامه؟ وكيف نعلم؟

وما قيمة معلوماتنا؟.. أسئلةٌ إشكالية وعصية على التجلي والانكشاف التام تلحُّ على الإنسان العادي والفيلسوف على حد سواء. وإن اختلفت مستويات طرحها والركون إلى إجاباتها. فإذا كانت نظرية العلم تؤسِّس مجالي النظر والعمل، والفكر والممارسة في الحضارات الإنسانية، فإن نقد واقعنــا الحضاري وإعـــادة بنائه، وتثبيت فاعليتـــه ومشاركتــه في الحضارة الراهنة، لا يمكن تحققها بمعزل عن نظرية العلم.

 

 

 

الكتاب: الإبستيمولوجيا في ميدان المعرفة/دراسة

تأليف: د ــ علي حسين كركي

الناشر: شبكة المعارف بيروت ‬2010

الصفحات: ‬272

القطع: الكبير

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي