الشعر السياسي عند نزار قباني

الشعر السياسي عند نزار قباني

مع مرور الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الكبير نزار قباني 1923-1998 يصدر كتاب «الشعر السياسي عند نزار قباني ومستوياته الفنية» الذي يتناول بالدراسة والشرح والتحليل الجانب السياسي لدى هذا الشاعر الذي ذاع صيته بأنه شاعر المرأة بامتياز.

ويبدو أن السياسة هي من اختارت «قباني» منذ مطلع شبابه، فقد تخرج من كلية الحقوق عام 1945 وعمل دبلوماسيا في مصر، ثم في بريطانيا، ثم أسبانيا، ثم الصين. وهذا ما ترك في نفسه أثرا واضحا، برغم أن الجانب السياسي حاضر بقوة في شعر قباني بمجمله فانه لم يكن بهذا الوضوح في مجموعته الأولى (قالت لي السمراء) 1944 التي صدرت في فترة خروج القوات الفرنسية من سورية وإعلان الاستقلال، ومع ذلك فقصائد الديوان تخلو من الإشارة إلى هذا الحدث الكبير بشكل مباشر، وان تغنت بعضها بجمال الوطن وطبيعته.

فالهاجس الأبرز لدى الشاعر كان تفاصيل جسد الأنثى وعلاقاته مع المرأة صاحبة الجسد، وهذا ما عرَّض نزار للانتقاد والهجوم بصفته غير معني بالأحداث الكبرى التي تعيشها بلاده. ولكن في المرحلة التالية تصبح القصيدة السياسية من الملامح البارزة في التجربة النزارية، فقد اخذ نزار يستحضر تاريخ وطنه العريق وأمجاده، كما برز جانب الحنين إلى بلده ومدينته بعد سفره للعمل كدبلوماسي.

ثم اتسعت آفاق القصيدة السياسية لدى نزار وتفتحت على الأحداث الكبرى في الوطن العربي، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة بمآسيها المتتالية، ونكساتها المتعاقبة، ولولا أطفال الحجارة الذين بعثوا الأمل بالانتصار في نفس نزار قباني لتأكد له أنها القضايا العربية خاسرة. كما عايش نزار بشعره العدوان الثلاثي على مصر التي أقام فيها لسنوات، فتغنى ببطولات بورسعيد، كما أشاد بثورة الجزائر.

من أهم الأحداث التي عالجها نزار في شعره السياسي نكسة يونيو (حزيران) التي اغتصبت فيها سيناء والجولان والضفة الغربية، وهذا ما خلف في نفسه شعورا قاسيا بالإحباط أوصله إلى حدود فقدان الأمل بكل شيء والإحساس بعدم جدوى الحياة. ولم يكن حزنه وغضبه مجرد انفعالات عابرة، ففد خلص إلى أن أسباب النكسة هو الاعتماد على التراث القديم البالي، والإيمان بالخرافات، والادعاء الكاذب، والارتجال وعدم الاستعداد، والافتقار إلى الوعي، إضافة إلى الجهل والتخلف.

كما وضع نزار أفكارا محددة لتجاوز النكسات العربية، وهي: الخروج من قوقعة الفخر الأجوف، وكسر أسوار الاستبداد، وفتح نوافذ الحرية، والتضامن العربي، وإعداد الأطفال بشكل حضاري لصنع مستقبل عربي جديد. ولابد من التنويه هنا بقصيدة نزار الشهيرة «هوامش على دفتر النكسة» التي أثارت الرأي العام لاسيما في مصر، فصودرت قصيدته، ومنعت أغانيه من الإذاعة المصرية، ولم يسمح له بدخول مصر. فكتب رسالة إلى جمال عبد الناصر يشرح فيها قصيدته التي تمت قراءتها بسوء نية متعمد من بعض خصومه. وتفهم الرئيس المصري آنذاك موقفه ورفع كافة الإجراءات التي صدرت بحقه.

بعد الحدث السياسي الكبير «حرب أكتوبر» تعود الثقة لنزار بأمته العربية، فنجد في شعره بروز الفخر بالانتصارات العربية وأبطاله، والتفاؤل بالمستقبل. وفي تلك المرحلة يدعو نزار إلى الفرح والحب والتمتع بالحياة والجمال، لاسيما انه ترك الهجاء القاسي، واخذ يميل إلى العتب في حال الشكوى من الأوضاع الراهنة.

ولكن هذه المرحلة سرعان ما تتراجع بعد حرب لبنان 1982 حيث يجد نزار أن المسؤول عن هذه الهزيمة هم العرب الذين لم يحترموا هذه المدينة التي منحتهم الحرية والمنبر الثقافي، لهذا أسهموا في خرابها، لذلك لم يطلب العون منهم فهم قد أباحوا للأغراب هذه المدينة العريقة، لهذا اخذ يخاطبها هي وحدها كي تنهض بذاتها من كبوتها لتنتصر على الأعداء، ولتصنع من جديد الحب، برغم كل المتناقضات التي عاشتها وتعيشها تلك المدينة التي أحبها أكثر من غيرها. كما يشيد نزار ببطولات المقاومة في الجنوب التي تصنع المستقبل المشرف.

ولا يغفل عن نزار أية قضية سياسية مهمة في شعره، فقد سجل موقفه صراحة ضد التطبيع بكافة أشكاله، وصرح بتأييده للكفاح المسلح. وكتب في هذا الشأن قصيدته «المهرولون» التي كان لها صدى مدوي عقب نشرها. والسلطة الحاكمة بجرأة يفتقدها الكثير من الشعراء.ولدى الحديث عن القصيدة السياسية النزارية لابد من ذكر قصيدته الشهيرة «خبز وحشيش وقمر» التي تعد نقطة تحول في شعر نزار، فعقب صدورها تعرض لهجوم كبير بسبب انتقاداته القاسية للمجتمعات العربية، ففيها يقول إن القمر لم يعد نور يهدي الناس إلى الطريق الصحيح، بل صار القمر العربي مخدرا يثير الغرائز المكبوتة لدى الكسالى الذين يكتفون باجترار أوهام الماضي دون القيام بأي فعل ايجابي.

ولم تغب المرأة عن قصائد نزار السياسية، وان حضرت في تلك القصائد كرمز ودلالة، فهي المدينة، والوطن. إنها البطلة المناضلة »جميلة بوحيرد« وزوجة الشهيد الصابرة «أم يوسف» وهي «نوار» الفلسطينية الطفلة البريئة التي سرق الأعداء فرحها، وبالتأكيد هي بلقيس زوجته التي ماتت بتفجير السفارة العراقية في بيروت، فكتب قصيدته الشهيرة «بلقيس» التي تحولت إلى قضية ورمز.

في الختام يدرس المؤلف قصائد نزار فنيا، والأسس الجمالية الخارجية في تلك القصيدة، فيتناول بالبحث القاموس النزاري، والمحسنات البديعية في القصائد وموسيقا القصيدة وأوزانها كما يشير إلى قصيدة «اندفاع» وهي أول قصيدة ينشرها نزار في شعر التفعيلة عام 1944 وبذلك يكون نزار من رواد الشعر الحر عربيا. ويظل نزار بعد مرور عقد على وفاته حاضرا في الشعر العربي المعاصر، فحسبه انه خلف مدرسة شعرية تعرف باسمه.

حكاية مع المدن

يقول نزار قباني في حكايته عن المدن التي عاش فيها وتركت أثارا في داخله فهو يقول عن القاهرة أنها حررته من «الغبار الصحراوي المتراكم» وان لندن منحته الطمأنينة «أعطتني براريها المكشوفة واللانهائية المخضرة أول دروس الحرية» وان أسبانيا علمته التطرف «لا يمكن لأي إنسان يمر بها أو يسكنها أن يبقى محايدا» أما عن تجربته في الصين فلم تخلف لديه أثرا يذكر في شعره وحياته.

سامر أنور الشمالي

الكتاب: الشعر السياسي عند نزار قباني ومستوياته الفنية

تأليف: عبد الهادي عبد العليم صافي

الناشر: دار الإرشاد دمشق 2008

الصفحات : 320 صفحة

القطع: الكبير

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي