رائحة الزمن تفوح حنيناً عبر الطرقات

الأسواق القديمة في الإمارات.. تجارة وسياحة وذكريات

الأسواق القديمة بدولة الإمارات، لا تقل حضوراً وازدحاماً بالناس، عن الأسواق الحديثة، مع الفرق في نوعية المنتجات المعروضة في كل منهما.. فإذا كانت آخر صيحات الموضة وأغلى أنواع العطور والأجهزة الحديثة تخطف أبصار الناس في مجمعات الثراء في كل إمارات الدولة، إلا أن عبق الماضي وجماله يفوح من رائحة الزعفران والبخور والفواكه الاستوائية المجففة، ومتطلبات البيت الأساسية التي قاومت كل مظاهر التحديث.

الأسواق القديمة في الإمارات هي ذاكرة الدولة التجارية والاقتصادية، فعلى مقاعدها الخشبية يدوية الصنع تم في الماضي البعيد والقريب نسبياً إبرام الاتفاقيات التجارية والاقتصادية، ومن أمام هذه الأسواق في ميناء خالد بالشارقة وخور دبي شقت السفن الخشبية القديمة البحر لتصل لبندر عباس والهند محملة بالبضائع في الذهاب والإياب. فالأسواق القديمة في دبي هي ملاذ للسياحة والحنين إلى الماضي من أبناء الدولة والقائمين على أرضها، فلهم فيها خيوط رائعة من الذكريات في شراء الذهب والحلي الفضية أعواد البخور وعلب الفضة المطعمة بالأحجار الكريمة لحفظ المجوهرات، والكحل العربي والحناء، ولم ينسى رواد هذه الأسواق الآن، كم من الوقت قضوه بالاستمتاع في اختيار الأقمشة الحريرية الهندية وأشهرها «الساري الهندي» الذي كان يقبل عليه وقتذاك السياح الأجانب، ليحولوه قطعاً من الملابس لحضور السهرات والأعراس في بلادهم.

بالإضافة إلى المقاطع الحريرية الباكستانية التي تخاط قطعتين من الجاكيت والسروال الباكستاني الشهير، المعروف باسم «شالوار قميص» وكان السياح والقائمون على الدولة يقبلون على شرائه لجمال خامته وألوانه، بالإضافة لتوافر محلات الخياطين المتخصصة في تفصيله على أحلى ما يكون. ولم تنس دبي أبداً رغم النهضة المعمارية الحديثة في كل الاتجاهات وتحويل دبي لواحدة من كبريات العواصم السياحية في العالم ـ لم تنس ـ أسواقها القديمة لأنها قلب دبي النابض وانطلاقة قوته ورائعة نحو آفاق الحاضر والمستقبل، فقد قامت دبي بترميم هذه الأسواق القديمة، لتكون مزاراً للسياح الذين تبهرهم عراقتها وأنواع منتجاتها من بخور وتوابل وحلي وعطور تقليدية قديمة زيتية القاعدة شديدة التركيز، تنتشر رائحتها في مداخل هذه الأسواق، وكأنها بصمة عطرية لأهل البلاد من النساء، فهم كن ومازلن يحتفظن بقنينات هذه العطور، ليعطرن بهن ملابسهن كل حين وخاصة في مناسبات الأعراس والأعياد وغيرهما، وأشهر هذه العطور عطر دهن العود وهو من أرقى العطور العربية وأغلاها ثمناً.

ويرجع تاريخ أسواق دبي القديمة إلى حوالي عام 1850 حيث أقيم أقدم سوق تجاري بدبي وقتذاك هو السوق الكبير في بر ديرة أمام خور دبي، ويكتمل المشهد العريق بالسفن الخشبية (العبارة) والسفن الكبيرة التي حولت حالياً لمطاعم خمسة نجوم. ويتميز السوق الكبير بدبي بأنه يتوافق معمارياً مع المنازل المحيطة به، في مشهد تراثي موحد مازال عالقاً بقوة في ذاكرة الناس من أهل الإمارات والوافدين إليها قديماً، كذلك يتميز السوق بدكاكين صغيرة متراصة جنباً إلى جنب، يطل منها باعة أغلبهم من الهنود والباكستان، فرضوا لغة تعلمها معظم رواد هذه الأسواق ومازال الحديث بها حتى الآن وكأنها اتفاق ثقافي ضمني بين الباعة والمترددين على هذه الأسواق.

ومعظم هذه الأسواق القديمة في دبي ـ ومنها السوق الكبير ـ مغطاة بالأخشاب الزخرفية وأيضاً بجزوع النخيل المشدودة بالحبال، وتغطي بالحسر المتينة في الشتاء تجنباً من إفساد البضائع بالأمطار. وكان يتخذ كبار السن (شيبة) هذه الأسواق للترويج لتجارتهم، ويخصصون أماكن بالسوق للجلوس فيها تعرف حالياً بالمقاهي الشعبية التراثية التي شهدت إبرام الاتفاقيات التجارية وقتذاك.

من الأسواق القديمة في دبي حتى الآن والإقبال عليها كبير، سوق مرشد وهو من الأسواق المهمة بالإمارة، تخصص في بيع الأقمشة على كل صنف ولون والفضيات والأعشاب العطرية الآتية من الهند وجنوب شرق آسيا، والتي كانت تدخل في علاج العديد من الأمراض، وتوصف منها للسيدة المرضع والرجل المسن.

أما التمور، فقد خصص لها سوق باسمها «سوق التمر» حيث كان يأتي من مزارع النخيل بالدولة، ويستورد أيضاً من البصرة، وبجانبه سوق العطارين تفوح منه عبق الهيل والتوابل الهندية والبخور التركي ومساحيق الزينة والحناء والأصابع المصنعة من مواد عشبية طبيعية تستعملها السيدات «الختيارات» (كبار السن) في إخفاء شعيرات بيضاء عرفت طريقها لرأسهن تطل أحياناً من تحت الشيلة الحريرية السوداء المعطرة بدهن العود أو زيت الزعفران، أو دخان البخور بالمستكة.

أما محبو التحف والهدايا العريقة كالباح والفضة والأخشاب المشغولة يدوياً فما كان عليهم إلا الذهاب لسوق الذهب، فجنباً إلى جنب مع الذهب والمجوهرات، حوانيت صغيرة لشراء التحف. ولم تنس هذه الأسواق العريقة بيع المرايا، التي تعتبر من أجود أنواع المرايا في العالم ـ بعد المرايا البلجيكية القديمة المشطوفة التي ذاع صيتها في العالم كله، واستقرت بجمال في منازل الصفوة على امتداد العالم وسوق المرايا بالإمارات قديماً يعرف باسم «سوق المناظر»، ربما لانعكاس الشكل على المرآة وهذا التفسير يتداوله الناس قديماً.

ولم يفت التجار قديماً إنشاء مقاه عربية تقليدية شعبية بجوار الأسواق القديمة ليجد فيها المتجولون مكاناً لتناول الشاي الأخضر والقهوة العربية بنكهة الهيل والزعفران داخل «الدالة» الإماراتية الشهيرة التي يسكب منها القهوة في «فناجين» صغيرة من دون يد، مميزة بنقوشاتها، وهناك عرف قديم في شرب القهوة العربية، فإذا هز الشارب الفنجان، فهو دلالة على عدم رغبته في تناول المزيد من القهوة.

وأذكر هنا طرفة فقد كان أحد السياح الأجانب يجلس على مقهى شعبي ويقلد الجالسين ولم يقم بهز الفنجان، فيأتيه الساقي لسكب المزيد من القهوة بالهيل الذي يعطيها مرارة مميزة، وفي النهاية صرخ السائح وقال بلغته البريطانية العريقة «أي دونت نيد مور كوفي» (لا أريد مزيداً من القهوة)؛ وجلس يضحك عندما تعرف على العرف الاجتماعي هذا. ولأن الأسماك بكل أنواعها من الأكلات العريقة بدولة الإمارات، فما كان منها إلى وجود سوق للأسماك حيث يجلب إليه الصيادون الأسماك من طرح البحر بكل أنواعها وأحجامها ومن أهمها الهامور والشعري وسلطان إبراهيم، وجميعها لحم طري مفيد ومغز.

ويتميز سوق السمك بدبي ببيع أنواع من السمن البلدي و«الجاص»، والجميل هنا إنه بجوار السوق وبداخله متخصصون من الباعة في تنظيف الأسماك وتقطيعها حسب الطلب، وآخرون يبتاعون الليمون والخضرة لإكمال الوجبة البحرية التي عشقها أهل الإمارات وما زالوا.

وماذا عن أسواق الشارقة؟

تعتبر من أقدم وأعرق الأسواق في دولة الإمارات، ومن أهمها سوق العرصة وسوق البحر وهما الأقدم والأكثر عراقة ورواداً حتى الآن، ويرجع تاريخ إنشائهما إلى 180 عاماً، ولكنهما وغيرهما، ما زال مزاراً هائلاً للسواح وللوافدين وأهل البلاد.

وسوق العرصة كان وما زال المركز التجاري لكل ما يحتاجه البيت العربي، بالإضافة إلى انه كان مركزاً لتجارة اللؤلؤ، وكانت سفن الغوص التراثية تأتي لهذا السوق جالبة معها اللألئ من دول الخليج المجاورة، وكانت تتم الصفقات التجارية في أجواء جميلة، حيث يجلس التجار داخل السوق على مقاعد خشبية يدوية الصنع بسيطة الشكل، يجلسون مع ضيوفهم من التجار وسط عبق الشاي الأخضر والقهوة العربية برائحة الهيل، والبخور الهندي برائحة الصندل.

أيضاً شهد سوق العرصة قديماً تبادلات تجارية في الفواكه كالموز والمانجو والتمور وأيضاً التبغ، وجميعها تأتي من الزيد ومسافي. وداخل السوق مقاه كثيرة، ما زالت حتى الآن متواجدة، وكأنها شاهد على حقبة تاريخية مازالت في الخاطر والبال لدى أهل الإمارات فترة تميزت بالأصالة والجمال والبساطة والخير. والسوق الإسلامي (سمي بهذا الاسم لأنه يتبع في بنائه اتجاه العمارة الإسلامية الرائعة)، وهو سوق يمتاز بحوانيت صغيرة متراصة جنباً إلى جنب، تبيع كل شيء يخطر على البال.

مشهد تراثي

ويتميز السوق الكبير بدبي بأنه يتوافق معمارياً مع المنازل المحيطة به، في مشهد تراثي موحد مازال عالقاً بقوة في ذاكرة الناس من أهل الإمارات والوافدين إليها قديماً، كذلك يتميز السوق بدكاكين صغيرة متراصة جنباً إلى جنب.

منى مدكور

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي

اشترك الكترونيا