تعد تجربة الكاتب الراحل سالم الحتاوي، واحدة من التجارب الكتابية المهمة في مجال الدراما والمسرح، ولأن الحتاوي أنتج بغزارة في المسرح، الا ان الدراما التلفزيونية كان لها نصيب مهم من انشغاله، ولكن هذه التجربة في مجال السبك والحبك الدرامي، واقتناص التفاصيل الحياتية الدقيقة والبنائية التي يعتمدها في تشخيص وتحديد ملامح شخصياته التي يلقي عليها الضوء، حرمت من التأملات النقدية على حساب إنتاجه المسرحي الغزير، والذي حقق له هالة كبيرة، وعرف من خلالها في الأوساط المسرحية المحلية والخليجية والعربية.
لم تنل مؤلفات الكاتب الراحل سالم الحتاوي، في الدراما حقها من الشرح والنقد والبحث والتحليل، وذلك مقارنة بالقدر الذي وفي فيه الكاتب الراحل سالم الحتاوي، حقه في المسرح، ككاتب، حيث طبعت له وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، مجموعة اعماله المسرحية كاملة، في كتاب في العام الماضي، كما أطلقت كتابا للمسرحي محمود ابو العباس تناول فيه تحليل مسرح الحتاوي.
وأيضا نشرت له دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة اغلب النصوص المسرحية. الا ان الحتاوي يبدو مظلوما ومغمورا في الدراما التلفزيونية، اذ بقي بعيدا عن دائرة الرصد بالرغم من انه قدم سلسلة من الأعمال التلفزيونية الدرامية المهمة على الصعيد التوثيقي للحياة والحراك الاجتماعي في أزمنة مختلفة، بين الماضي وبين حاضر المجتمع المتمدن، وغاص في تفاصيل الحياة والاحياء والبيوت السكنية، بل وتوغل في خطابه لكي يشير إلى التحولات الكبرى التي طرأت على المجتمع الإماراتي والشخصية الإماراتية، وما طالها من تحولات نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
«الكفن»
غامر الحتاوي في الكتابة الدرامية حينما قدم مسلسل (الكفن) الذي جمع فيه اغلب الممثلين في الإمارات، من جيل الرواد والشباب، وتوغل في تفاصيل الحي الإماراتي ليكشف شبكة العلاقات بين الأفراد وخيوطها المتشابكة. واثبت انه صاحب قدرة على رصد التفاصيل، بقدر ما اثبت كذلك حرصه على ابراز التفاصيل البيئية والعادات والتقاليد وأنماط السلوك الإنساني، وما تنطوي عليه الشخصية الإماراتية من ارث ثقافي.
وقدم الحتاوي سلسلة من الأعمال من التلفزيونية في فترة كانت فيه الدراما المحلية تترنح بين غياب المؤلف وغياب الدعم والاحتضان، وحينما بدأ تلفزيون الشارقة يبث أعمال الحتاوي الدرامية، كانت شركات الإنتاج الدرامي تلتفت إلى هذا الكاتب المغمور الذي بدأت أعماله التلفزيونية وشخصياته التي رسمها، تجذب إليها قطاعا واسعا من جمهور المشاهدين.
هاجس
وفي احد اللقاءات معه، وقبيل وفاته بشهور، كان سالم الحتاوي يحضر لعمل شعبي كبير حمل اسم (فريج الضغاية)، اي حي صيادي السمك، الذين يستخدمون الشباك للصيد قرب السواحل، وهؤلاء فئة من الناس اشتهروا بمهارتهم في صيد الأسماك ويعيشون في حي كأسرة واحدة.
وأراد الحتاوي من هذا العمل الدرامي الذي امتدت حلقاته إلى ثلاثين حلقة، ان يتوغل في ظاهرة التركيبة السكانية التي أتت على ملامح الهوية الوطنية، اراد ان يوظف إبداعه الدرامي في اطلاق صرخة باتجاه حالة التغريب التي تعيشها الاحياء السكنية، وشبكة علاقاتها الاجتماعية التي كانت تنتج الدفء والأمان الاجتماعيين في السابق، اما الآن فإن الأحوال قد تبدلت حينما بدأت التركيبة السكانية تخلخل ترابط المجتمع وتنفي من الحي السكاني حالته الطبيعية ونبض حياته الطبيعي..
كان الحتاوي وقبيل وفاته يواصل اجتماعاته مع من حوله من المنتجين والفنانين، من اجل ان يظهر هذا العمل للناس، لكن الموت خطفه دون ان يكمل مشروعه، وتركه وراءه وكأنه صرخته الاخيرة باتجاه قضايا مجتمعه.
الشخصية الإماراتية..عنوان
التصق الحتاوي في أعماله الدرامية ببيئته وحاول جاهدا ان يبرز سمات وملامح الشخصية الإماراتية، سواء كانت هذه الشخصية، رجلا أو امرأة أو شابا أو كهلا. فقد كان الحتاوي كاتبا دراميا بامتياز، يعي معنى رسم الشخصية الدرامية والبناء عليها من منطلقات بيئيته، وكان يصر إصرارا كبيرا على التفاصيل الصغيرة التي تعكس الهوية، كان ينتقي كلماته المحلية في مونولوجاته وديالوجاته وهو يدير رحى أحداث قصصه الدرامية وشخوصها، كان الامر مهما بالنسبة اليه. ان تتحدث الشخصية كلاما موزونا ذا وقع وتأثير.
«بنت الشمار» و«الكاز- 1999»
في العام 1999 قدم الحتاوي اولى تجاربه في الكتابة التلفزيونية من خلال سهرة تلفزيونية حملت عنوان (بنت الشمار)، بالتعاون مع المخرج الأردني حسن بوشعيره عبر تلفزيون الشارقة، والشمار صفة الرجل الذي يقوم بترقيع (النعل) في السوق، وقدم الحتاوي في ذلك الوقت نصه باعتباره سهرة درامية مدتها ساعة كاملة.
لكن الورشة التي أقامها المخرج بوشعيرة مع الحتاوي، في اطار تبنيه لمؤلف إماراتي شاب، يسعى لوضع قدمه على طريق الكتابة التلفزيونية. وحرص الحتاوي على ان يضع نفسه تلميذا أمام مخرج له باع طويل في هذا المجال، حول مدة السهرة إلى زمن اطول. فأصبحت سباعية بثها تلفزيون الشارقة على مدى سبع حلقات، وتفاعل معها الجمهور كونها عملا دراميا محليا يعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي. لكن أين ذهب الحتاوي كمؤلف في بنت الشمار؟
ان الإجابة على هذا السؤال تكشف إلى اي مدى كان هذا الكاتب الذي يشق اولى خطواته نحو لغة دراما الصورة، مهموما بتجسيد حياة مجتمعه واستنطاق خزين الذاكرة..الشمار لديه بنت خرساء ومجنونة تجر مع والدها صندوق عدة العمل من والى سوق القرية..وتعيش الشخصيتان على هامش حياة الحي الذي يبسط سيطرته عليه النوخذا ابوصقر، ويتفجر الحدث حينما يزور مهندس أجنبي هذه القرية ويشاع عن تلك الزيارة، انه مندوب شركة تنقب عن النفط، وان تحت بيت الشمار يكمن الكنز الثمين برأي المهندس الأجنبي، وهناك تتجه أنظار علية القوم إلى الشمار وبنته، ويصبح لهم شأن كبير بعدما غلفت الاشاعة قلب ابوصقر، كبير الحي، وجعلته يفكر في امتلاك بيت الشمار.
لكن الشمار يرفض من باب المبدأ بيع البيت باعتبار البيت سلطانه ومملكته وكل ما يملك.. ويتفاعل الحدث تحت ضغط الدعم فيدفع ابو صقر ابنه للزواج من ابنة الشمار المجنونة والخرساء. وبعدما يتم هذا تنكشف الاشاعة فاضحة هذا الجنون. فليس هناك (كاز) بترول تحت بيت الشمار، ويصاب ابوصقر بالشلل كعقاب على ما فعل بالشمار، وقتله بالحسرة والقهر على ابنته التي خضعت للنبذ والتنكيل.
في هذه الحكاية يذهب الحتاوي إلى مجتمع ما قبل الرفاه، يعود إلى الأحياء السكنية المسكونة بالكلام والأساطير، يعود إلى بداية ظهور النفط، ليكشف عن بعض النفوس الضعيفة. وفي هذا المسار لا يتوانى كذلك عن رصد وتجسيد كيف تعامل الناس البسطاء مع النفط كمصدر للرزق، فيدخل في حياتهم ليبدلها ويعيد صياغة علاقة أفراد القرية من جديد. ان فعل التأويل والتأشير والترميز يبدو واضحا عند هذا الكاتب الذي يتلمس أولى كتاباته الدرامية في ذلك الوقت. وكان يبدو واضحا ان الحتاوي يبشر عبر هذا العمل الأول له، بميلاد كاتب يعي تماما ان الدراما التلفزيونية لديها مقدرة على إعادة تأمل تفاعلات الحياة وإنتاجها من جديد عبر تحميلها وجهة نظر.
استقبل جمهور (بنت الشمار) الكتابة الاولى للحتاوي، بكثير من التشجيع. وكتبت الاقلام عن هذا الكاتب وتحمست محطات تلفزيونية اخرى لاستقبال اول دراما يكتبها الحتاوي. ولا شك ان تأثير المخرج حسن بوشعيرة، كان واضحا في توجيه الحتاوي نحو أسرار الكتابة للصورة التلفزيونية.
ولهذا حملت الايام التي تلت عرض دراما (بنت الشمار) حالات من الحماسة بين الاثنين، فكانا يجلسان كثيرا لتدارس افكار درامية، وكان حديثهما يمتد ليتحول إلى درس في صياغة السيناريو التلفزيوني.. وكان ابوشعيره يتحدث مطولا وكان الحتاوي يجلس كتلميذ ينصت باهتمام، ويسجل في دفتره كل معلومة.
مسلسل الكفن
بعد النجاح الذي حققه عرض (بنت الشمار) كان الكاتب الحتاوي يشحن نفسه بكثير من الحماس ليعمل ليل نهار، كان يكتب في صمت، لكنه يتصل بأصدقائه والمقربين منه من الفنانين لكي يسبك حبكته الدرامية الجديدة، لكن هذه المرة في مسلسل درامي ضخم بعنوان (الكفن)، قفز اليه الحتاوي مغامرا بموهبته وعبقريته. ويقول عنه الحتاوي في احد مقابلاته الصحافية:
(مسلسلل الكفن يقع في 25 حلقة. وهو عمل تراثي قديم وفكرته قريبة من العمل السابق (بنت الشمار)، والمسلسل فكرة سعيد بوميان لقصة واقعية، قمت بتجسيدها دراميا، وعملت السيناريو والحوار بعد ان التقينا وسمعت منه الفكرة وأدخلنا بعض الاحداث، على أساس خلق عملية من التشويق الدرامي للمشاهد. ويجسد المسلسل حكاية اثنين من الأصدقاء احدهما من تجـــار اللؤلؤ المعروفــــين والأخر تاجر أقمشـــة، وبعد مرور وقـــت من الزمن يتعرض تاجر الأقمشة لبعض الأزمات المالية وتضيع ثروته ويصبح فقيرا، ومن ناحيته يرفض صديقه تاجر اللؤلؤ مد يد العون إليه وبالتالي يختصمان ويصبحان عدوين. ويصر تاجر القماش ان يبدأ من جديد ويعود إلى ما كان عليه ويعوض خسارته. ولكن تستمر العداوة والخصومة بينهما. الا ان القدر يلعب لعبته.
فيموت تاجر اللؤلؤ وأولاده بعيدين عنه، وهم لا يعلمون بموته. ويهرع تاجر الاقمشة للمساعدة وتقديم العون لصديقه القديم، وما كان لتاجر الأقمشة ان يأخذ (كفنا) ويذهب إلى مكان عملية غسل تاجر اللؤلؤ. وعندما يعــــود أبناؤه من الخــــارج ويعلمون بموت أبيهم، يتساءلـــون مـــــن أتى بالكفن؟ فيعرفـــون ان تاجر الأقمشة هو الذي اتى به، واعترضوا على ذلك لأن والدهم مات وترك ثروة طائلة، وبذا كيف لهم ان يقبلوا الكفن من هذا الشخص الذي كان عدواً لأبيهم.
موروث وصراع اجيال
وجد الحتاوي في معادلات هذه القصة كنزا ثمينا يشير فيه إلى الأخلاق والمبدأ في حياة الناس، وبالذات المجتمع الإماراتي.. قماش كفن لا يعادل ثمنه درهمين في زماننا في مقابل حياة وصراع مرير تتوارثه اجيال الأسرتين: المبدأ والقيمة.. في اطار هذا الكنز اراد الحتاوي ان يظهر معدن الرجال في تلك الحقبة من الزمن.
«آخر أيام العمر» 2002
كتب الحتاوي بعد النجاح المدوي لمسلسل (الكفن) عملا آخر بعنوان (آخر ايام العمر)، اراد التركيز من خلاله على قضايا المرأة العانس والمرأة المطلقة. وكما صرح للصحافة في يوم ما، ان مسلسل (آخر ايام العمر) يترصد الهوة بين جيلين: (تجسيد حي للصراع القائم في الفكر والقيم والمبادئ والعادات والتقاليد بين جيلين جيل ما قبل النفط وهم الاباء والاجداد وجيل اليوم من الاباء الجدد والشباب .
حيث ان التواصل الاجتماعي بين هذين الجيلين يكاد يكون مفقودا بفعل الحضارة الجديدة وحياة المدنية الحديثة التي افرزها النفط وأتت بأفكار وعادات وقيم مجتمعية تصطدم بهذه المفاهيم القديمة والعادات التي كانت سائدة في الإمارات والخليج بشكل عام).
«وجه آخر»
كتب سالم الحتاوي كثيرا من الاعمال ذات الصبغة التراثية، أو تلك التي يعود بها إلى الوراء، لاستعادة الزمن الجميل كما يسميه، لكنه كان يخترق هذا الاهتمام بأعمال مختلفة، أكثر حداثة أو معاصرة، ففي العام 2007 عمل مع الفنانة سميرة احمد على إنتاج عمل، حمل عنوان (وجه آخر) أراد به الذهاب إلى دهاليز حياة الرفاة والبذخ، حيث يدخل الحتاوي إلى بيت رجل ثري سخر ثروته وحياته لإسعاد ابنته الوحيدة، لكن هذه البنت، ونتيجة لحياة الترف التي عاشتها، تجبر أبيها على تزويجها من مدرب الخيل الذي يقوم على تدريبها.
وفي هذا العمل التلفزيوني يبرز الحتاوي موهبة اخرى في الكتابة الدرامية، حينما يؤسس عمله الدرامي على الحالات النفسية التي تعيشها هذه الفتاة، انه يتحول تماما إلى حالة بحث في علم نفس الشخصية والأمراض السيكلوجية، ويقدم الحتاوي من خلال حبكته الدرامية في آخر ايام العمر عملا مفعما بالمواقف المعقدة نفسيا، ويضع الحب في مقابل المال ليلعب على هذه الثنائية. وقد نجح مسلسل وجه آخر ومنه انطلق الحتاوي إلى كتابات مختلفة في الإطار ذاته.. منها اعمال وسيناريوهات لم تر النور إلى الآن.
ووجد الحتاوي حظا أوفر من النقد الأدبي والفني لأعماله المسرحية، لكن قليلا ما تم ترصد منجزاته المهمة على صعيد الكتابة الدرامية. وهذا الأمر جعل الحتاوي يتوارى عن الأنظار ككاتب درامي مهم، قدم للدراما الإماراتية والخليجية اعمالا ما زال المشاهد يتابعها باهتمام.

