نهاية القراءة

من أجمل الأسئلة التي تكررت على مسامعي قبل أيام، كان عن أهم الكتب التي قرأتها سنة 2017، ليوقظ السؤال ذاكرة الاطلاع التي نغفل عنها عادة، ورغم أني لم أسهو يوماً عن عناوين الروايات، إلا أن ما جرى أثناء مراجعتي لما قرأت هذا العام تحديداً، هي المفاجأة في أن أجد القليل من الروايات والكثير من الوثائق، فكم كنت مأخوذة بالأبحاث التاريخية القديمة، وهذا ما اكتشفته من خلال قراءتي التي مضت بي ولم أمضِ بها.

فالذي حدث أثناء مراجعتي لتلك العناوين المقروءة والتي غلبت عليها ما يخص حضارات الجهة الغربية لسواحل الخليج العربي، أني قمت بتخصيص رف كامل لكتب هذه الفترة الزمنية والمكانية، لشعوري بأن تلك النصوص نادرة، أهمها كان من تأليف د. عبد العزيز الصويلح الذي قدم لوطنه البحرين كتاباً ضخماً وقيّماً يتحدث فيه عن التسلسل الحضاري لمملكة البحرين، ومدعومة بصور عديدة رغم ندرة كل ما هو قديم، من مكتشفات المعابد والتماثيل والجرار ورسومات الطقوس الجنائزية والفخار والقرابين والكثير من اللوحات المسمارية والمدافن وغرف النذور وقدس الأقداس...

وكم كانت رحلتي ممتعة في هذا العالم، لتأخذني القراءة إلى اقتناء المزيد بعد هذا الكتاب إلى كتب تعني بتلك الحضارة القديمة إجمالاً، فأجد كتاباً بعنوان «دلمون» اعتبرته كالكنز لـ«بيتر كورنوول» هذا المشهور الذي مضى شهوراً في البحرين وهو ينقب باحتراف ويكتب عن مدى علاقة دلمون ببلاد الرافدين السومرية.

تذكرت حينها كيف أخذني شغف الاهتمام إلى هذا الشرق القديم ذات المكانة المميزة، وإلا ما السر لأزدحم ازدحاماً جميلاً بكل ما هو سومري بعد قراءة كتاب «ألواح سومر» للآثاري «نوح صمويل كريمر» وهو كتاب أشبه بمتحف لما فيه من ترجمة لكل ما كُتب على اللوحات المسمارية المكتشفة، وفيه كل ما جرى من أحداث ومنذ الألف الرابع قبل الميلاد، ولكن ما همني هو إطلالتها كحضارة على الخليج من ناحية الغرب، ومدى علاقاتها بعيلام (أحواز حالياً) ودلمون (من فيلكا إلى البحرين)...

وأقرأ بعد هذا الكتاب عشرات الكتب عن بلاد سومر من الأبحاث الجيدة وغير الجيدة، لأني لم أستطع الهرب حينها من محراب الأساطير وأرض التماثيل وطين الفنون وكل الآداب في روحها المشتعلة...

لتتكون لدي ذاكرة متخيلة لا بأس بها عن ذلك الزمن، تم على إثرها إنجاز رواية لم تعرف طريقها إلا بعد كل تلك القراءات، فأتمعن كيف تأخذنا القراءة إلى عوالم لا نعرفها، وكيف تعتمد كتابة الرواية على التحضيرات، وكيف يتأثر القارئ وهو يمضي في مسار جميل لم يرسمه سوى سؤال... لأتيقن مدى هيمنة ما نقرأه علينا.

وهكذا رداً على تلك الأسئلة، لم أجدني أقرأ من الروايات سوى النذير، فأكثر الروايات التاريخية والسياسية وحتى الاجتماعية تحتاج إعداداً من الوثائق لتجري مجرى الخيال.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon