قلعة ملائمة للخيال

كثرت القلاع بأحجامها المختلفة في إنجلترا عبر تاريخها السالف، بين الأضخم والأجمل والأشهر، والشاهد أن لكل منها تاريخًا يُحكى، ورموزًا تُروى وأحداثًا تُسرد... أي أن القلاع بتاريخها تُحفز على الخيال والسرد، لكن ماذا عن ذلك السرد المتخيل المنجز الباحث عن القلعة، هذا ما حدث بين قلعة «ألنك» الإنجليزية وأدب الفنتازيا الغامض للفتيان «هاري بوتر» للكاتبة الإنجليزية جون رولينغ، التي نجحت فيه خلال السنوات الأخيرة بشكل واسع، والسبب في فكرتها المدهشة ومن بداية السرد للفتى هاري لكونه من أمٍّ إنسية وأبٍ جني، لتثير خيالات القارئ، فلا يتوقف عن متابعة أحداثها لما يمكن أن يكون في ذلك العالم الذي لا نعرفه عالم الجن المتخيل، ليجد الخيال السارد ضالته في تلك القلعة.

الكاتبة رولنج ولجت بنا بخيالها الرائع عالم الكائنات غير المرئية بمدارسهم التعليمية في بريطانيا المعاصرة، وقد بدا لنا حقيقيًا، لا بين النصوص فحسب، بل بعد التصوير السينمائي الجاذب لمدرسة الجن، فكان الاختيار موفقًا لقلعة «ألْنِك» الفاخرة والغامضة في الوقت ذاته، في مقاطعة «نورثمبرلاند» ذات الأبراج الدفاعية، والتي استخدمت كموقع تصوير لسلسلة أفلام هاري بوتر وغيرها فيما بعد من روايات وقصص ذهبت بسردها إلى هذه القلعة المحاطة بالأراضي الريفية ونهر يجري خلف المبنى متدفقًا بجانب الوديان والحدائق والتلال، وكأن القلعة التي يملكها أصحابها ويقيمون بها منذ 800 عام ملجأ للسرد والساردين.

رمم هذا المبنى الباهظ مرارًا من قِبل مُلاكه، وبسبب تكلفته العالية، سكنوا في جزء صغير منه، لتبقى بقية القلعة متحفًا للجمهور، ومثيرة للاهتمام لما تحمل من غموض في رموز صخورها ومداخلها، ناهيك أنها كانت هدفًا لتؤدي هذه القلعة وظائف كبرى في تاريخها، عسكرية وعائلية وإدارية واقتصادية... ولأنها تمتلك كل تلك المعايير، كان هذا المكان الواقع والموجود يستحق أن يصور فيه أفلامًا عديدة، والأهم فيلم لهاري بوتر ليكون مدرسة لأبناء الجن المتخيلة.

عائلة «نورثمبرلاند» ورثوا القلعة وما حولها من غابات، فباتت مكلفة، الأمر الذي دعا الأسرة بأن يدرس ابنهم الوريث التاريخ وإدارة الأراضي معًا، مما جعله ينجح في التحكم بالتكاليف، فأخذ يستأجر أراضيه للفلاحين والمزارعين، ويستغل القلعة لتصوير الأفلام، لتبقى الغرف المميزة للقلعة في ذاكرة السينما، كما استثمر القلعة من الخارج لتصوير الطلاب السحرة وهم يتعلمون التحليق على المكنسة وطريقة الخروج طيرانًا من قوس الأسد في المبنى متجهين إلى الغابة، وقد زادت ثروة المالك بعد إيجاره القلعة للساردين ومخيلة المؤلفين، فقد أتوا إليه ولم يذهب إليهم، ليأخذ المكان موقعه السياحي الأبرز، ويصبح هذا الارستقراطي الإنجليزي في مراتب الأغنياء، وكذلك المؤلفة الفقيرة التي أصبحت أغنى من الملكة، ونستمتع نحن بتجربة تاريخية مميزة سردًا وسحرًا تُعبر عن كينونة الإنس والجن بمعاييرهما السردية المتخيلة وحقيقة المكان.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon