حكماء لبنان ونيران طرابلس

لا تخفى على أحد خطورة ما يجري على الأرض اللبنانية من صراع ودماء بريئة تنزف على ثرى طرابلس، التي استعرت فيها النيران قبل يومين في جولة تاسعة من القتال بين الإخوة، وما تمثله هذه الأحداث الجسيمة من خطر لا على لبنان فحسب، بل على الجسد العربي والإسلامي بأكمله، ويخطئ من يظن أن نيران لبنان 2012 شبيهة بنيران 1975، فالشرر هذه المرة لن يطول به المقام حتى يتناثر شرقاً وغرباً، ليحرق معه الموقدين ومن اتخذ من الدماء اللبنانية جسراً لمصالحه وأجنداته.

لقد عرف لبنان الحرب والصراع المرير بين الإخوة عشرات المرات، وما ذلك إلا بسبب تنوعه لا الاثني والديني فحسب، بل تنوعه الحياتي والمنهجي والسلوكي الذي جلب للبلد الخير والجمال وعشق سكان المعمورة له في أوقات الرخاء والسلام، مثلما جلب له الخراب والقتل والدماء وتنوع الأيدي المتآمرة أوقات الصراع الخارجي.

فكانت الحروب الأهلية ما بين 1840-1860 مروراً بالصراع المرير في 1958، لتستمر التراكمات والمسببات تتّقد تارة وتخبو أخرى حتى الحرب الأهلية في 1975 التي استمرت 16 عاماً وسبعة أشهر، حاصدة أرواح الناس دون تمييز.

ورغم الأيدي الخارجية والداخلية التي عبثت بأرواح الناس ومقدرات لبنان طيلة حرب 75؛ إلا أن العابثين ظلوا بمنأى عن شررها المتطاير، لأسباب يطول شرحها وتتعلق بالوضع والمشهد الدولي والإقليمي آنذاك.

أما اليوم فالوضع مختلف تماماً، وعلى صناع القرار في لبنان و«الحكماء» فيه أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه ما يجري من قتال بين الإخوة في طرابلس، وليعلموا أن المتفرجين منهم، بل والمحرضين والمسببين لهذا القتال لن يحصدوا سوى الخراب.

ورغم التطمينات والتفاؤل المفرط بأن «اللبنانيين تعلموا درس الحرب الأهلية، ولن يعيدوا الكرّة»، إلا أن «محاولة اغتيال بيار الجميل» و«مجزرة عين الرمانة» 75 كمحاولات محدودة أشعلتا ناراً لسنوات طوال.. وجولة طرابلس التاسعة من الاشتباكات ليل الاثنين الماضي تنذر بما لا تحمد عقباه، فيا «حكماء لبنان» لا تضعوا دماءً جديدة في أعناقكم.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

تابعنا علي "فيس بوك"

الأكثر قراءة

  • مجند الخدمة الوطنية

    "أحمد الله تعالى أن ولدي محمد مات وهو جندي للوطن".. بهذه العبارة المفعمة بالوطنية، نعى والد الشهيد محمد خالد الريسي

  • دبي تنزع تاج الطيران من لندن

    في مقالة سابقة بعنوان «مطار دبي واستقالة مدير هيثرو»، أشرنا إلى أنه بسبب فوز مطار دبي بالمركز الأول على العالم، أعلن

  • «داعش» وخيارات هيلاري!

    أُثير في الأوساط السياسية خلال الفترة الماضية، لغط كبير سببه ما نُسب إلى هيلاري كلينتون، زوجة الرئيس الأميركي الأسبق

  • ادعموا المشاريع الوطنية

    مع توفر التقنيات الحديثة والتطبيقات الذكية، لم يعد من الصعب على من يملك أفكاراً طموحة متبوعة ببعض من الجهد، أن يحول

  • روكسلان زوجة سليمان القانوني المفترى عليها

    لم يكن في ظنّ ميرال أوكاي، التي ولدت في أنقرة سنة 1959، وهي كاتبة سيناريو مسلسل القرن العظيم أو ما ترجم عند العرب "بحريم السلطان"

  • المريخ موعدنا

    طموح لا يؤمن بأي حدود للنجاح، وثقة لا تقتنع بما دون الثريا، ونفس تتحدى ذاتها كل يوم لتكون في المركز الأول، فإن تضاءلت

  • مستقبل دبي في أيد أمينة

    في هذا الوقت لم يعد هناك مكان للماضين في دروبهم دون تفكير أو تخطيط بعيد المدى، خصوصاً وأن إيقاع الزمن بات سريعاً، وبات

  • توريه البطل

    غابت الاثارة عن مباريات الامسية الاولى لجولة افتتاح دوري الخليج العربي لكرة القدم، لكنها ظهرت بصورة مقززة ذبحت الروح

  • أميركا و«الدور المحدود» في المنطقة

    الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما من البيت الأبيض نهاية الأسبوع الماضي تدشيناً للحملة العسكرية على داعش، قدم رؤية محددة لطبيعة العملية المقدمة عليها بلاده.

  • الإرهاب المعولم في الشرق الأوسط

    تبدو إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما محرجة جداً في حديثها عن مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، والتدخل الروسي غير

اختيارات المحرر

اشترك الكترونيا