الإساءة بحجم الوجع

القطريون في وجدان ووعي أهل الإمارات هم الرحم، والجيران، وشركاء التاريخ والمكان.

وهم في الذاكرة الإماراتية أهل ود، وذوو قربى لا تنقطع عراها بفعل أصوات نشاز وألسنة حداد أشحة على الخير. والإماراتيون أهل محبة وحكمة وطيب، لا تخرجهم من وقارهم صبيانية تنضح بما في إنائها من فراغ في القيم وانعدام في التربية.

فالمقال عند أهل الإمارات يوضع في مقامه، فلا خلط للأمور ولا تزر وازرة وزر أخرى.

تلك أخلاق ورثها الإماراتيون وكل أشقائهم وشركائهم في الهم والمصير، ولن تغير معدنها الأصيل محاولات الرمق الأخير، بعد أن اشتد الرباط على المربوط.

لو كانت السفاهة في الإساءة من شخص، هو في الواقع من أراذل القوم، لما استحق مجرد التفاتة، لأن الزبد حتماً سيذهب جفاء، ولأن الرد يعني إكسابه أهمية يشحذها هؤلاء، وإن كانت من بقايا موائد النفاق وبث الكراهية.

ولكن التوقف هنا يشير إلى بلوغ الوجع لدى القيادة القطرية بفعل المقاطعة مبلغه، حتى صارت ترمي بسفهائها ليرموا بأحجارهم، فيسدوا كل طريق للحل لإخراجها من ورطتها التي أوقعتها أوهامها في شباكها.

راهنت القيادة القطرية على تدويل المشكلة التي افتعلتها مع جيرانها، وظنت أن الأمور دائماً تتم من تحت الطاولة لمن يفوز بالمزايدة في تقديم الثمن، ولكنها اصطدمت بموقف موحد وموثّق بحقائق وأدلة لا تتجاوزها الحسابات الجانبية، فسقطت ورقة الضغط الخارجي، كما أسقطت الدوحة من قبل أوراق الوساطة من داخل البيت الخليج.

ويبدو أن الدوحة لم تفهم من الوهلة الأولى لاندلاع الأزمة، أن الدول الأربع بلغ بها الألم من الإيذاء إلى درجة اللا عودة دون تقويم المعوج، ورد الأمور إلى نصابها الصحيح، تحت بند أن الأمن القومي العربي خط أحمر، لا يقبل المساومة ولا المزايدة، لا بحكم العواطف ولا المجاملات.

وداخلياً، بدت المشكلة في الخطاب الرسمي القطري، وكأنها مشكلة ألبان وأبقار، جعلتها غطاء لدخول مئات الدبابات التركية مع قطعان المواشي التي استوردتها، ولم تلتفت إلى التداعيات الشاملة التي ضربت كل القطاعات، وعطلت معظم عناصر الحياة في دولاب التنمية.

وعندما بلغ العناد والمكابرة بالوضع في قطر إلى ما آل إليه، وازداد الوجع، حتى ما عادت تجدي في تخفيفه كل الحفلات الإعلامية والإعلانية في الداخل والخارج، اتجهت الدوحة في ما يبدو لتغيير المسار، عبر الضغط على زر السفهاء، ليعملوا على قطع حبال الود بين الشعب القطري ومحيطه الشقيق، وينثروا المزيد من بذور الفتن، التي لن تجد لها جذوراً في تراب الخليج بإذن الله.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon