لكل منا قاموسه الخاص في حب مصر، حب كبرت عليه أجيال وأجيال وتناقلته عبر الأيام ما خزنه الوجدان لبلد له ظله الوارف على العرب، مصر أعطت من قلبها للجميع ومن حنانها ما فاض على الروح فطفا على السطح ليراه كل محب لأم الدنيا.

البعض رأى مصر من عروبتها، والبعض رآها من عذوبتها، والبعض أدركها من خلال صوت أم كلثوم التي كانت تصدح في الساعة العاشرة ليلة كل أول خميس في الشهر، وهو تقليد سنته إذاعة القاهرة منذ ثلاثينات القرن الماضي.

غنت أم كلثوم في أول حفلة لها بثت على الهواء من الإذاعة المصرية عام 1934، وكان الناس يتحلقون حول المذياع مأخوذين بحنجرة الماس التي تصدح لأكثر من ساعتين بأعذب الألحان وأجمل العبارات، وظلت لسنوات تصدح كل خميس مطلع كل شهر والناس لا تمل من صوتها المتلون المتجدد.

طيف أم كلثوم تجاوز محيط مصر إلى البلدان العربية، ومثلما تحلق المصريون حول صوتها تحلق العرب أيضاً، أحبوا مصر من خلالها، تواشجوا معها بروحهم ووجدانهم، ولم يشعروا بغربة عندما كانوا يزورونها للمرة الأولى، لقد مهد لهم صوتها الطريق.

أم كلثوم أيقونة مصر لا ينفك المرء من العودة إليها كل يوم، عبر تقليد امتازت به إذاعة دبي طيلة سنوات، حيث تخصص ساعة الظهيرة كل يوم لإحدى أغانيها.. أم كلثوم التي وضع جهلة الحضارات برقعاً على تمثالها، ستظل حاضرة في وجدان الناس مثلما هي مصر في قلب كل العرب، لن يغير وجهها أصحاب العقول المغلقة، ولن يقلل من شأنها هواة السياسة وصبيان الخطابات.

مصر أكبر من كدة بكتير.