قالت لي أختي حفظها الله: هل تذكر ماذا قلت لي عندما تركت الذهاب إلى ما يسمّى بـ "الإصلاح والتوجيه الاجتماعي" وأنت صغير؟ قلتُ لها: وماذا قلتُ؟ قالت: قلتَ إنّ هؤلاء لا يحبون العلم، وليس لديهم علماء، ولهذا تركتهم! تذكّرت حنيئذٍ ما قلته لها، وعادت بي الذاكرة إلى تلك الفترة العجيبة من حياتي وحياة كثير من الشباب الذين تمّ اصطيادهم من المدارس والمساجد والمجالس، ووُضعوا تحت رعاية مراقبين في تنظيم غريبٍ لا أدري كيف غفل عنه الآباء وأولياء الأمور، حتى تغلغلوا في نسيج مجتمعنا الإماراتي الطيّب الكريم، والذي فتح لهم باب قلبه على مصراعيه، فدخلوا بيوتنا وأعمالنا ولم نرتب فيهم، ولم ير الأهالي العمليات السرية التي كان يقوم بها الموجّهون الإخوانيون الذين قدموا من خارج بلادنا، ولا يعرفون عاداتنا ولا أعرافنا، ولكنهم يعرفون كيف يصلون إلى قلوبنا بسبب حبّنا الفطري للدين الحنيف، وكان هؤلاء من خلف المراقبين الشباب الذين لم يشكّ أحد في أخلاقهم ولا دينهم، وأكثرهم مخلصون للدين، ولكنّهم انتظموا في الجماعة وغُرّر بهم فشربوا الحزبية وهم لا يشعرون.

أحكام البيعة

يقول العلماء عن تعريف البيعة: "هي إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره والعسر واليسر، وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه"، ولا تجوز إلا لولي أمر المسلمين، فلا تصح مبايعة رئيس جماعة ولا حزب ولا طائفة.

وهناك حاكم مسلم في تلك البلاد، يقول الشيخ صالح الفوزان: "البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، وهذه البيعات المتعددة مبتدعة، وهي من إفرازات الاختلاف، والواجب على المسلمين الذين هم في بلدٍ واحدٍ وفي مملكة واحدة، أن تكون بيعتهم واحدة لإمام واحد، ولا يجوز المبايعات المتعددة".

كذلك تصح بيعة بعض أهل الحل والعقد - من أهل العلم والفضل والوجاهة - عن مبايعة سائر الناس، وفي ذلك يقول الإمام النووي في شرح مسلم: "أمَّا الْبَيْعَة فقد اتَّفقَ الْعُلَمَاء على أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كلّ الناس، ولا كُلّ أهل الحَلّ والعقْد، وإنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ منْ العُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس، وَلا يَجِب عَلى كُلّ وَاحدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الإمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الانقِيَادُ لَهُ، وَأَلا يُظْهِر خِلافًا، وَلا يَشُقّ الْعَصَا".

 وللبيعة صيغةٌ معروفةٌ، وقد أخذ العلماء هذه الأحكام من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علمنا هذه الأحكام الصحيحة عن البيعة، وأنّها لا تجوز إلا لإمام المسلمين في أي بلد من بلاد الإسلام، فهل تجوز بيعة الإخوان لمرشدهم العام؟

طريقة بيعة الإخوان

قبل الحديث عن جواز مبايعة "المرشد العام للإخوان" ـ وهي باطلة قولاً واحداً - أريد أن أنقل لكم أيها الأعزاء ما أخبرني به الأستاذ ثروت الخرباوي عن طريقة مبايعة "المرشد" منذ أيام حسن البنّا، فقال - وهو نقلٌ من محاضرةٍ له: "قام البنا بإنشاء النظام الخاص للجماعة في عام 1939 م، فتطورت البيعة وأصبحت غريبة، وفقاً للكتب والمراجع المتوافرة، فمن يبايع يدخل في غرفةٍ مظلمةٍ ويجلس على الأرض في مكانٍ فيه منضدة صغيرة، وعلى المنضدة مصحف ومسدس كرمزين للدين والقوة، وتحتهما كلمة "وأعدّوا"، لذلك نجد شعار الإخوان في كل مكان هو السيفان مع كلمة (وأعدّوا)، وهي كلمة يجب أن نتساءل بأنها أعدّت لمن؟ خاصة وأنّ الدعوة الإخوانية كانت تستهدف المسلمين، ثم يأتي شخص يرتدي قناعاً على وجهه، ويجلس على الأرض والشخص الذي يبايع لا يدري من يبايع في تلك اللحظات، لأنه يبايع على الموت!".

قلتُ: إن صحّت هذه الصيغة من المبايعة فلا داعي لأن أبيّن لكم بطلانها، وأنا أصدّق الأستاذ الخرباوي لأنّه أستاذ خبيرٌ في جماعة الإخوان وبقي معهم مدة طويلةً من الزمن، وإن فرضنا عدم صحّة هذه الحكاية الغريبة في طريقة مبايعة الإخوان لمرشدهم، فأريد أن أنبّه وأبيّن أنّ علماء الإسلام قالوا إنّ هذه البيعة لا تجوز وغير شرعية فهي ليست لوليّ أمر المسلمين، وساقوا الأدلّة النقلية والعقلية عليها، فكيف يقول المرشد العام الثامن "بديع" لمحمد مرسي: أحلّك من بيعتي عندما انتخب رئيساً لمصر؟! ومن يجب أن يبايع من؟.

الحمد لله، فقد بيّن علماء الإسلام خطورة ما أمر به "حسن البنا" في مذكراته حول السمع والطاعة، وهو موضوع لو فكرنا فيه لوجدناه مخالفاً لأمر رسولنا الكريم، ودليلاً على عدم معرفة آمره بمقاصد الشريعة الإسلامية التي توجب طاعة ولي الأمر فقط، وإلا لأصبح الأمر فوضى كما نراه اليوم في مصر وغيرها.. وأترككم مع هذه الطامة من أقوال "البنّا" لتعلموا حقيقة أمر هؤلاء: "نظام الدعوة في هذه المرحلة صوفيٌّ بحتٌ من الناحية الروحية، وعسكريٌّ بحتٌ من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين (أمرٌ وطاعةٌ) من غير ترددٍ ولا مراجعةٍ ولا شكٍّ ولا حرَج".

قلتُ: أيُّ طامّة أكبر من هذه الطامة الكبرى التي ابتلينا بها في الدول الإسلامية، حيث جعل "البنّا" المرشد العام أكثر سلطة وجبروتا من الملوك والسلاطين! وللمقالة بقية..