سر الملكة «زنوبيا» المحيّر!! 1-3

من هي الملكة "زنوبيا"؟ وكيف تزوجت الملك "أذينة" الثاني ملك تدمر؟ وكيف وصلت إلى حكم مدينة "تدمر" التاريخية؟ وهل حقاً قتلت زوجها ووليّ عهده، أم أنه محض افتراء عليها؟ وهل لها صلة قرابة بالفراعنة؟ وكيف تم القضاء على مُلْكها؟ وهل "زنوبيا" هي نفسها "الزبّاء" الملكة المشهورة عند العرب؟

وهناك أسئلة أخرى أريد مناقشتها معكم أيها الأعزاء في هذه المقالات الثلاث، لإثارة الذاكرة وتحفيز القلب، ليقرأ أكثر ويبحث عن العلم من مظانه الصحيحة، وإن كان كلّ قول يحتمل الصواب والخطأ في مثل هذه التواريخ والأحداث التي لم يصلنا من علمها إلا القليل النادر، والتي مزجت بالأساطير والأحاديث الخرافية، عندما نعرضها على ميزان القواعد التاريخية الحديثة المحكمة التي تحاول الوصول إلى المعلومة الحقيقية وتحللها وتقلّبها على جمر الشكوك، لتشبع نهَم الأكاديميين الجدد.

اشتقاق الاسم "زنوبيا"

لم يعرف العربُ هذا الاسم قديماً، بل هو بمثل هذا اللفظ لا يقع على قواعد لسانهم العربي، فهو لفظ أعجمي لديهم، إذا بقي بتركيبه هذا، وإذا عرفنا هذه المعلومة وتأكدنا منها، فيمكننا أن نتساءل: إذا كانت "زنوبيا" امرأة عربية الأصول وزوجة لملك عربي، فلن يكون اسمها الحقيقي إذن هو هذا، بل سنقول إن المؤرخين الرومان هم من قام بتحريف اسمها ليناسب لغتهم في تلك الحقبة الزمنية فسموها "يوليا أوريليا زنوبيا" Julia Aurelia Zenobia، كما فعلوا وغيروا اسم زوجها الملك "أذينة" من قبل، فقالوا سبتيميوس Lucius Septimius Odaenathus، ومن المعروف أن الأسماء تتغير إذا ترجمت من لغة إلى أخرى، وكذلك لوجود مدينة "تدمر" تحت الحكم الروماني، لا بدّ أن يُطلق على ولاتها وملوكها أسماء تقارب أسماء الولاة الرومانيين الآخرين، ولهذا اختلفت طريقة لفظ اسم ملكة "تدمر" بين الرومانية التي سمتها "زنوبيا"، والآرامية التي سمتها "بات زباي" أي ابنة زباي، والعربية التي يمكن أن تكون قد أسمتها "الزبّاء أو زينب"، إذا صحّ قول من قال: إنّ الزبّاء هي نفسها "زنوبيا".

وفي قراءتي لهذا الاشتقاق، وجدت أنّ الأقرب للحقيقة أن يكون اسمها "الزبّاء أو زينب"، لأنّهما اسمان معروفان عند العرب، والأخير أكثر شهرة من الأول، ولهما تفسير صحيح، وهذا شرحٌ مختصرٌ لمعناهما:

-الزباء: يقول صاحب ابن منظور في معجمه العظيم "لسان العرب":

"وداهيةٌ زبَّاءُ: "شديدة، كما قالوا شَعْراءُ، ويقال للدَّاهية الـمُنْكَرةِ: زَبَّاءُ ذاتُ وَبَر، ويقال للناقة الكثيرة الوبَر: زَبَّاءُ، والزَّبَّاءُ اسم الـمَلِكَةِ الرُّومِـيَّةِ، يُمَدُّ ويُقْصَر، وهي مَلكة الجزيرةِ، تُعَدُّ مِن مُلوكِ الطَّوائف".

قلتُ: نفهم من هذا الشرح أنّ العرب سمّت الملكة بهذا الاسم "الزبّاء"، إما لشدتها وقوة حكمها، أو لكثرة ولطول شعر رأسها من جمالها، لأنّه لن يصفوا المرأة إلا بهذا، ولعل أباها منحها هذا الاسم ليتفاءل بها وينتصر على أعدائه، كما هي عادة بعض العرب في تسمية أبنائهم وبناتهم، أو أنّ الزبّاء لقبٌ أطلقته العرب عليها بسبب ملكها العريض، وسيطرتها على كثير من البلاد إبّان عهدها.

-زينب: أما هذا الاسم، فهو مشهور عند العرب جداً في القديم والحديث، وعن شرح معناه، يقول ابن منظور في معجمه: "والزَّنَبُ: السِّمَنُ (السمنة)، وعن ابن الأَعرابي: الزَّيْنَبُ شجر حَسَنُ الـمَنْظَر، طَيِّبُ الرائحة، وبه سمّيت المرأَة، وواحد الزَّيْنَبِ للشجر زَيْنَبة".

قلتُ: وهذا أقرب إلى قلبي من الزبّاء، لأنه اسم عربي مشهور، ولأن "زنوبيا" عربية، فأقرب الأسماء إليها "زينب"، لاحتوائه على معظم حروفها، وتكون زيادة الواو والياء والألف من قبل الرومان.

والله أعلم.. وللمقالة بقية.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon