مشاكل صغيرة تهمل فتكبر، ولنا في هذا الكثير من الأمور التي تركت نتيجة ضعف الإجراءات حتى استفحلت وأصبح حلها صعباً، فيما كان من الممكن حلها بشكل أسهل، لو تم ذلك في وقته.

نتحدث عن تضاعف أعداد الذين أصبحوا لا يحملون أوراقاً ثبوتية، فاختلط الحابل بالنابل في هذا الشأن، وتساوى من يقيم في البلاد منذ عشرات السنين، مع من تسلل وادعى أنه لا يحمل أوراقاً حتى وقتنا هذا.. نتحدث عن الآلاف من الذين يتم إبعادهم عن البلاد ثم يعودون إليها بعد أسبوع واحد فقط بجواز سفر جديد واسم جديد، حتى كانت بصمة العين التي أوقفت هذا العبث، وشلت حركة المخالفين.

اليوم بتنا نلاحظ حالة أخرى، نخشى أن تصبح ظاهرة نعتاد على وجودها بيننا، وهي كثرة أطفال "الكراتين" الذين تتركهم أمهاتهم في الطرقات، فأصبح لدينا الكثير من مجهولي الوالدين أو أبناء لأمهات يلفظنهم.

نقول وبلادنا تستقبل يومياً آلاف الأشخاص من مختلف الأجناس والجنسيات، إنه لا بد من إجراء فحوصات أخرى والاحتفاظ بالحمض النووي لفئات عمرية، تسهل على السلطات التوصل بسهولة لوالدي هؤلاء الأبناء.

نعلم أن الأمر سيكون مكلفاً جداً، لكن تبقى هذه الكلفة في كافة الأحوال أقل بكثير مما تتكبده السلطات من نفقات وجهد يبذل من أجل فئة جديدة تظهر في المجتمع، يعلم الله وحده المستقبل المجهول الذي ينتظرهم، لا أقول لضعف الرعاية والاعتناء بهم، بل لمجتمع ينظر إليهم نظرة دونية، إلا في ما ندر.

إن كثرة وجود أطفال مجهولي الأبوين لا تتوافق مع مجتمعنا.. صحيح أن هناك دوراً وجهات ترعاهم وتؤمن لهم احتياجات، وتوفر لهم أوجه الرعاية المختلفة التي ربما تفوق تلك التي يوفرها بعض الأسر لأبنائها، وهناك أسر تسعد بتبني أطفال، لكن كل ذلك لا يعني أن المشكلة تنتهي عند هذا الحد، ولا تفرز مستقبلاً مشكلات أخرى بصور وأوجه متعددة، فضلاً عما تتكبده الدولة نتيجة عدم التوصل إلى معرفة آباء وأمهات هؤلاء المساكين الذين لا حول ولا قوة لهم، ولا ذنب لهم في مصير هو من صنع الكبار.

فكما توصلت السلطات إلى إجراءات سهلت العمل وأوقفت حيلاً وجرائم كثيرة، في وسعها أن تبتكر وسائل عديدة توقف هذا النزف، وتضع حداً لإيجاد فئة جديدة في المجتمع تؤرقه وترهقه.