لا شك أن صدعاً كبيراً أصاب جدار مجتمعنا الجميل، الذي لم يعرف على مدى تاريخه المشرف، من أبنائه ومن عاش في كنفه، سوى الحب بل العشق لكل ذرة من ترابه؛ كحبات لؤلؤ مكانها وسط العين، أما مبعث الصدع الذي آلم كل مواطن قبل غيره، فهو مثول عدد من أبناء الوطن أمام القضاء بتهمة تشكيل تنظيم سري استهدف أمن وأمان الوطن، من خلال استهداف نظام الحكم في الدولة، وفي هذا الإطار سيكون للقضاء الحق ليقول كلمته في مذنب وبريء.

هنا؛ يبقى الأمر الآخر وهو الصعب في رأب هذا الصدع، وإعادة الهدوء والطمأنينة إلى نفوس المواطنين، بثقة الاستقرار الذي كانوا يحيونه قبل أن يفيقوا على وقع قضية التنظيم السري غير المشروع، ويتلقوا الصدمات والطعنات التي أصابت القلب وأدمته.. قضية أكبر الخاسرين فيها وطن رائع بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ رائعة، وطنٌ حباه الله بقيادة رشيدة رحيمة، وجد المواطنون في شخوصها الأب والقائد الساهر على راحتهم، جاءوا خير خلف لخير سلف، يضع المواطن نصب عينيه، وخيره وصلاحه يحتلان الصدارة في قلبه.

في جلسات المحاكمة التي تمضي نحو العد التنازلي لوضع نهاية لها، وقد منحتهم المحكمة فرصة المرافعة الشخصية الشفهية، قال المتهمون الكثير، اتفقوا في كثير من الأشياء؛ وأكثر ما التفوا حوله وأجمعوا عليه، هو ولاؤهم الذي لن يكون لغير الله، ثم الوطن ورئيس الدولة، ودعا بعضهم تلميحاً، والبعض الآخر تصريحاً إلى طي هذه الصفحة، ومحاولة النسيان كي يعود الهدوء.

وتكسو الطمأنينة حياة الناس، وتعيش الدولة في أمان وسلام، كما هو الحال على الدوام وكما هو دأبها إذ تحتضن شعباً متلاحماً حول قيادته، لا يستطيع أن يحيا إلا متحداً قوياً، فالاتحاد كان ولازال قدر هذا الشعب، وقد اختاره له بُناة الدولة، وعلى أساسه المتين ساروا، وأكمل من جاء من بعدهم المسير. في حديث معظم المتهمين غلب صوت العقل هذه المرة، ودعا بعضهم إلى سعة صدر تستوعب ما كان.

وتعالج وترأب الصدع الذي كاد أن يعصف بنسيج جميل، وتعيد وحدة الصف الذي سيبقى «بنياناً مرصوصاً». وحتى لا تبقى الآثار طويلاً، فالتعامل مع هذه الأزمة بحاجة إلى حكمة لطالما اعتدناها في دولة الإمارات. نعم الشارع الإماراتي غاضب ومحتقن بفعل ما فوجئوا به في ذلك التنظيم، لكن وحتى لا تمتد الآثار، فالجميع بحاجة إلى من يجمعهم تحت مظلة واحدة ويزيل عنهم تراكمات ما كان.

ولربما جاءت هذه العاصفة فلم تكسر الجذع بل زادته قوة، ليخرج الجميع بعد مرورها بسلام، بدروس مهمة. إن دولتنا قوية ليس بقوة السلاح بل بحب شعبها لها والتفافه وتعاضده مع قيادته، واستماتته من أجلها، ذلك الحب هو الخط الأحمر الذي يقضي على من يحاول المساس به أو الاقتراب منه، حبٌّ يمثل الحصن الذي يحمي دولتنا من كل سوء، والدرع الذي يحفظها من كل شر.