حوار الكوريتين لا يلغي تهديدات الحرب

رغم الحوار الدائر بين الكوريتين الآن وما يرسله من رسائل إيجابية مطمئنة، إلا أن العالم لا يثق في إمكانية حل الأزمة الكورية بهذا الشكل الهادئ، خاصة وأن التهديد بالحرب كان قائماً لأيام قليلة مضت، ولا توجد أية أسباب لانتهائه، وما زال السؤال مطروحاً:

هل يمكن أن تنشب حرب نووية في الواقع بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؟ الشيء الذي يواسينا الاعتقاد أن صناع القرار لن يسمحوا بحدوث ذلك، وعندئذ من الضروري قطع العقدة. والسؤال المطروح كيف يمكن لزعماء الدول أن يفقدوا سيطرتهم على هذا النحو؟ لكن التاريخ يفترض أن المسألة ليست على هذا النحو.

غالباً ما نستخدم لغة سلبية عندما نناقش الأزمات السياسية، ونحن نتكلم هنا عن «تصعيد» الأزمات أو نشوب الحروب وكأن هذه عبارة عن آلام تضرب الإنسانية دون أن يدركوا ذلك، بدلاً من أن تكون عواقب بسبب الاختيارات التي يقدم عليها الزعماء.

لكن لا تبدو الأمور مستقرة عندما نرى الناس العاديين يستخدمون لغة مشابهة في أوج هذه الصراعات، تماماً كالأزمة التي حدثت بين خروتشوف والرئيس كيندي. كيف يمكن لزعماء الدول المتورطين في الصراعات أن يشعروا أنهم عاجزون عن التحكم في الأحداث التي يتسببون بها؟ وما الذي يمكن أن يخبرنا فيه ذلك عن احتمال خروج الأزمة بين واشنطن وبيونغيانغ عن السيطرة؟

وعلى نحو ما، يجب ألا نقلق من نشوب حرب بين الجانبين، أو على الأقل حرب نووية. فالأسلحة النووية خطيرة جداً بصورة لا تصدق، لكن المكافأة على استخدامها تحت أي ظرف من الظروف منخفضة جداً، وذلك بالطبع نظراً لأن الأسلحة النووية تلحق دماراً هائلاً والتهديد الكبير الناجم عن استخدامها يكون متأصلاً بصورة لا تصدق.

فعلى سبيل المثال سواء ضربت كوريا الشمالية في البداية أو بعد الضربة الأميركية، فسيكون مصيرها إلى الزوال. وبالنسبة لأميركا فإنها حتى لو لم تتعرض للإبادة بالكامل على يد كوريا الشمالية، فسوف تعاني من ضربة موجعة لا رجعة فيها.

وعند وضع الأمور على هذا النحو، فإنه من المرجح ألا نحتاج للشعور بالقلق من الصريخ الهائل الذي يجري بين كيم أون جونغ والرئيس ترامب، فمن غير المعقول أن نصدق أنهما ذاهبان إلى الحرب.

والمشكلة أنه شيء معقول أن تصعد الدول الأزمات بصورة تكفي لنشوب حرب، وهذا التهديد يكتسب مصداقية كبيرة لأن زعماء الدول لا يستطيعون التحكم بالكامل بالديناميات التي تتيح حدوث ذلك. وحتى على الرغم من وجود تكاليف هائلة محتملة للانهماك بهذا النوع من المخاطر، كالتي نشهدها بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حالياً، فإن هناك مكافآت كبيرة محتملة لصالح الجانب الذي تسود كلمته على الجانب الآخر.

وبهذا المنطق، فإن الأزمة تشبه لعبة الدجاج، ففي هذه اللعبة الكلاسيكية التي كانت تمارس في خمسينيات القرن الماضي، يقود سائقان سيارتيهما نحو بعضهما بعضاً بسرعة هائلة بقدر ما يستطيعان. ويبدو الخطر هنا واضحاً، فإذا لم يستطع السائقان الانحراف عن بعضهما في الوقت المحدد، فإنهما سيصطدمان بقوة ولا يؤدي ذلك إلى تحطم سيارتيهما فحسب.

، ولكن أيضاً في فقد حياتهما. ولكن على الرغم من هذه المخاطر، يبدو جلياً الإغراء المتمثل في الاستمرار في ممارسة اللعبة، وفي نهاية المطاف الذي يصمد هو الذي يفوز. وهذا المنطق المحفوف بالمخاطر يعلمنا القرار الذي تم اتخاذه في أزمة الصواريخ الكوبية الذي جعل الاتحاد السوفييتي ينحرف عن مسار الاصطدام أولاً.

وبالطبع، ربما يكون هناك حتى خطر أكبر في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فالديناميات التي أشير إليها أعلاه تفترض أن أي خصمين في أي نزاع هما عاقلان، ولكن هناك خطر حقيقي من أن ترامب وكيم لا يدركان بالكامل المخاطر التي يقدمان عليها، أو طبيعة كل منهما. فكلاهما مهووس بالرجولة التي لا يرغبان بالكشف عنها في نفسيهما،.

ولكن يرغبان في أن ينكرا حق أن يتمكن الخصم من التراجع وأن يحفظ ماء وجهه في الوقت نفسه. وهذا في غاية الخطورة، فإتاحة كيندي لخروتشوف التراجع دون تعريضه للإذلال كان هو السبب الرئيسي في إنهاء أزمة الصواريخ الكوبية.

وهذا الأمر مثير للأعصاب كثيراً لأن أي شخص يهتم بحفظ ماء وجهه أكثر من الاهتمام بإنقاذ حياته، فإنه ربما يختار عدم الانحراف عن مسار الاصطدام. وفي هذه الحالة ينتهي التصعيد بحالة واحدة فقط، وهي الاصطدام.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon