انتفاضة الشعب الإيراني

تعتبر إيران وتركيا دولتين إقليميتين مهمتين بالنسبة لنا نحن العرب، فهما فضلاً عن الحدود الجغرافية التي تمتد من ساحل المتوسط إلى الخليج العربي، فإنهما على أهمية تاريخية وثقافية واقتصادية بالنسبة لآسيا العربية على وجه الخصوص وبالنسبة للعرب عموماً.

وعندي بأن الحالة الطبيعية التي يجب أن تكون عليها العلاقات بين هاتين الدولتين وبين الدول العربية عموماً هي حالة التعاون والسلم وحسن الجوار والعمل المشترك في استقرار الشرق كله.

ولقد برز حضور هاتين الدولتين في أعلى صوره في التدخل المباشر في سوريا. ومن الطرافة بمكان القول: إن الدولتين متشابهتان في ضم أجزاء من مناطق عربية لها، فكما ضُمت الأحواز إلى إيران بقرار بريطاني عام 1925 ضمت تركيا لواء إسكندرون وأراضي أخرى عام 1939، ناهيك عن احتلال إيران للجزر العربية الإماراتية عام 1971.

ومنذ نهاية دولة الشاه وقيام دولة ولاية الفقيه وجد النظام الإيراني الديني المستبد طريقه إلى الحياة العربية بحجة مواجهة الإمبريالية والصهيونية والظهور بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية، في وقت راح يعمل فيه هذا النظام على ما يسمى بتصدير الثورة، عبر نوع من اختراق قوى طائفية وتشكل جيش احتياطي للنظام الإيراني في محاولة لتدمير النسيج الوطني لبعض البلدان العربية.

ولقد انتهى هذا التدخل إلى حد حدا بمسؤول إيراني لأن يقول: إن إيران تتحكم اليوم بأربع عواصم عربية هي دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت.

ولسنا بحاجة للعودة إلى تاريخ التدخل الإيراني في شؤون بلادنا، حسبنا القول إنه ما أن انفجر ما سمي بـ «الربيع» حتى انبرى النظام الإيراني، بكل ما يملك من أدوات و فساد وتبذير ثروة، للعمل مع نظم وقوى محلية على استغلال هذا الربيع. ولقد ظهر هذا جلياً في إرسال ميليشياته الطائفية وتمويل ميليشيات تابعة له في العراق ولبنان واليمن لسوريا واليمن، فضلاً عن تهديد الاستقرار في الدول المجاورة له.

أما على المستوى الداخلي، فلقد غدت سلطة ولاية الفقيه ومؤسساتها وحرسها الثوري عامل نهب منظماً للمجتمع الإيراني، وعامل تبذير دائماً للثروة الوطنية على تمويل أذرعه العسكرية وميليشياته المنتشرة في دول عدة، فضلاً على تمويل برنامج نووي يدغدغ وهم السلطة التوسعية، وإذا أضفنا إلى ذلك حجم الفساد الذي ينخر السلطة والحرس الثوري، والاستبداد الذي ألغى حرية البشر وكرامتهم، أدركنا حجم الكارثة الإنسانية والمعيشية التي يعيشها الشعب الإيراني بكل تنوعه الاثني والمذهبي.

وقالت مؤسسة الخميني الإيرانية بأن 50% من الشعب الإيراني تحت خط الفقر، أي 40 مليوناً من البشر، أربعون مليوناً من البشر تحت خط الفقر، لكنها لم تقل إن المليارات تذهب إلى تنظيمات مسلحة. ولم تقل إن مليارات الدولارات تصرف على برنامج نووي لا يقدم ولا يؤخر.

وها هو الشعب الإيراني ينتفض في وجه هذا النمط من النظام الديني القروسطي وما يجري في مدن إيرانية حال طبيعية. وهي توق الشعب الإيراني للحرية والكرامة، والتخلص من النظام الاستبدادي ـ الطائفي، الذي يتغطّى بالدين، لتكريس نزوعه نحو الهيمنة، عبر طبقة آيات الله، المؤسسة لنظام ولي الفقيه، وميليشيا «الحرس الثوري»، وذراعه فيلق القدس، وغيره من الأجهزة الأمنية.

ولما كانت إيران دولة إقليمية مجاورة، وتربطها بالمنطقة علاقات ثقافية واقتصادية غارقة في القدم فإن الأمل المرجو من انتفاضة الشعب الإيراني أن تفضي إلى ولادة سياسة إيرانية جديدة تعمل على بناء مستقبل بين شعوب المنطقة يقوم على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول وحرية البشر.

آملين أن تحقق انتفاضة الشعب الإيراني ما تصبو إليه من حرية ونعمة تتجاوز فيها الفقر والجوع وما تصبو إليه شعوب المنطقة من حرية واستقلال واستقرار.

متمنين في الوقت نفسه أن تنتهي تلك الصفحة السوداء لسلطة ولاية الفقيه وحرسه الثوري، ووهم تصدير الثورة، وما خلفته وتخلفه سياسة النزوع نحو الهيمنة من مآس وكوارث بحق الشعوب العربية وبخاصة حق الشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني.

ولعمري إن شعوب المنطقة كلها تتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعم فيه السلام والأمن والاستقرار في هذا الإقليم الكبير بعيداً عن أوهام التوسع والهيمنة وتصدير الثورات وما شابه ذلك من أهداف حمقاء، إلى ذلك اليوم الذي تتحقق فيه رغبة الشعوب في العيش بكرامة ورفاه. ولا شيء ينقص تحقيق هذا إلا الإرادة، لأن الشروط الموضوعية كلها متوافرة، ولا تحتاج إلا لمن يفكر بمصالح البشر وقيمة الإنسان.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon